وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَيَجْعَلُونَ للَّهِ مَا يَكْرَهُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى الَّذِي يَكْرَهُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ، الْبَنَاتُ يَجْعَلُونَهُنَّ للَّهِ تَعَالَى، وَزَعَمُوا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ، وَأَمَّا الْحُسْنَى الَّتِي جَعَلُوهَا لِأَنْفُسِهِمْ: فَالذُّكُورُ مِنَ الْأَوْلَادِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَئِدُونَ الْإِنَاثَ مِنْ أَوْلَادِهِمْ وَيَسْتَبْقُونَ الذُّكُورَ مِنْهُمْ، وَيَقُولُونَ: لَنَا الذُّكُورُ وَلِلَّهِ الْبَنَاتُ، وَهُوَ نَحْوَ قَوْلِهِ: {وَيَجْعَلُونَ للَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ}
وَقَوْلُهُ: {لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: حَقًّا وَاجِبًا أَنَّ لِهَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ للَّهِ الْبَنَاتِ، الْجَاعِلِينَ لَهُ مَا يَكْرَهُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ، وَلِأَنْفُسِهِمُ الْحُسْنَى عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، النَّارَ.
وَقَدْ بَيَّنَّا تَأْوِيلَ قَوْلِ اللَّهِ: {لَا جَرَمَ} فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا بِشَوَاهِدِهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي {لَا جَرَمَ} يَقُولُ: بَلَى""
وَقَوْلُهُ: {لَا جَرَمَ} كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُ: لَمْ تُنْصَبْ جَرَمَ بِ «لَا» كَمَا نُصِبَتِ الْمِيمُ مِنْ قَوْلِ: لَا غُلَامَ لَكَ، قَالَ: وَلَكِنَّهَا نُصِبَتْ لِأَنَّهَا فِعْلٌ مَاضٍ، مِثْلُ قَوْلِ الْقَائِلِ: قَعَدَ فُلَانٌ وَجَلَسَ، وَالْكَلَامُ: لَا رَدَّ لِكَلَامِهِمْ أَيْ لَيْسَ الْأَمْرُ هَكَذَا، جَرَمَ: كَسَبَ، مِثْلَ قَوْلِهِ: لَا أُقْسِمُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: نُصِبَ «جَرَمَ» بِ «لَا» ، وَإِنَّمَا بِمَعْنَى: لَا بُدَّ، وَلَا مَحَالَةَ، وَلَكِنَّهَا كَثُرَتْ فِي الْكَلَامِ حَتَّى صَارَتْ بِمَنْزِلَةِ «حَقًّا»
وَقَوْلُهُ: {وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَنَّهُمْ مُخَلَّفُونَ مَتْرُوكُونَ فِي النَّارِ، مَنْسِيُّونَ فِيهَا.