وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ مُعَجَّلُونَ إِلَى النَّارِ مُقَدَّمُونَ إِلَيْهَا وَذَهَبُوا فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْلِ الْعَرَبِ: أَفْرَطْنَا فُلَانًا فِي طَلَبِ الْمَاءِ، إِذَا قَدَّمُوهُ لِإِصْلَاحِ الدِّلَاءِ وَالْأَرْشِيَةِ وَتَسْوِيَةِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ عِنْدَ وُرُودِهِمْ عَلَيْهِ، فَهُوَ مُفْرِطٌ، فَأَمَّا الْمُتَقَدِّمُ نَفْسُهُ فَهُوَ فَارِطٌ، يُقَالُ: قَدْ فَرَطَ فُلَانٌ أَصْحَابَهُ يَفْرُطُهُمْ فُرْطًا وَفُرُوطًا: إِذَا تَقَدَّمَهُمْ وَجَمْعُ فَارِطٍ فُرَّاطٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْقَطَامِيِّ:
[البحر البسيط]
وَاسْتَعْجَلُونَا وَكَانُوا مِنْ صَحَابَتِنَا ... كَمَا تَعَجَّلَ فُرَّاطٌ لِوُرَّادِ
وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أنا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ» : أَيْ مُتَقَدِّمُكُمْ إِلَيْهِ وَسَابِقُكُمْ «حَتَّى تَرِدُوهُ»
وَقَالَ آخَرُونَ مَعْنَى ذَلِكَ: مُبْعَدُونَ فِي النَّارِ
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ الْقَوْلُ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِفْرَاطَ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى التَّقْدِيمِ، إِنَّمَا يُقَالُ فِيمَنْ قَدِمَ مَقْدَمًا لِإِصْلَاحِ مَا يَقْدَمُ إِلَيْهِ إِلَى وَقْتِ وُرُودِ مَنْ قَدَّمَهُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ بِمُقَدَّمِ مِنْ قُدِّمَ إِلَى النَّارِ مِنْ أَهْلِهَا لِإِصْلَاحِ شَيْءٍ فِيهَا لِوَارِدٍ يَرِدُ عَلَيْهَا فِيهَا فَيُوَافِقُهُ مُصْلِحًا، وَإِنَّمَا تَقَدَّمَ مِنْ قُدِّمَ إِلَيْهَا لِعَذَابٍ يُعَجَّلُ لَهُ، فَإِذَا كَانَ مَعْنَى ذَلِكَ الْإِفْرَاطُ الَّذِي هُوَ تَأْوِيلُ التَّعْجِيلِ فَفَسَدَ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَجْهٌ فِي الصِّحَّةِ، صَحَّ الْمَعْنَى الْآخَرُ وَهُوَ الْإِفْرَاطُ الَّذِي بِمَعْنَى التَّخْلِيفِ وَالتَّرْكِ، وَذَلِكَ أَنْ يُحْكَى عَنِ الْعَرَبِ: مَا أَفْرَطْتُ وَرَائِي أَحَدًا: أَيْ مَا خَلَّفْتُهُ، وَمَا فَرَّطْتُهُ: أَيْ لَمْ أُخَلِّفُهُ.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمِصْرَيْنِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ: {وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ} بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا، عَلَى مَعْنَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، مِنْ أَفْرَطَ فَهُوَ مُفْرِطٌ،