قال: لأن العرب لا يقولون: جعل له كذا ، وهو يعني نفسه ، وإنما يقولون: جعل لنفسه كذا ، فلو كان منصوباً ، لقال: ولأنفسهم ما يشتهون.
وقد أجاز النصب الفراء.
ثم ذكر سبحانه كراهتهم للإناث التي جعلوها لله سبحانه فقال: {وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُمْ بالأنثى} أي: إذا أخبر أحدهم بولادة بنت له {ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّا} أي: متغيراً ، وليس المراد السواد الذي هو ضدّ البياض ، بل المراد الكناية بالسواد عن الانكسار والتغير بما يحصل من الغمّ ، والعرب تقول لكل من لقي مكروهاً: قد اسود وجهه غماً وحزناً.
قاله الزجاج.
وقال المارودي: بل المراد سواد اللون حقيقة ، قال: وهو قول الجمهور ، والأوّل أولى ، فإن المعلوم بالوجدان أن من غضب وحزن واغتمّ لا يحصل في لونه إلاّ مجرد التغير وظهور الكآبة والانكسار لا السواد الحقيقي.
وجملة {وَهُوَ كَظِيمٌ} في محل نصب على الحال ، أي: ممتلئ من الغمّ غيظاً وحنقاً.
قال الأخفش: هو الذي يكظم غيظه ولا يظهره.
وقيل: إنه المغموم الذي يطبق فاه من الغمّ.
مأخوذ من الكظامة ، وهو سدّ فم البئر قاله عليّ بن عيسى ، وقد تقدّم في سورة يوسف.
{يتوارى مِنَ القوم} أي: يتغيب ويختفي {مِن سُوء مَا بُشّرَ بِهِ} أي: من سوء الحزن والعار والحياء الذي يلحقه بسبب حدوث البنت له {أَيُمْسِكُهُ على هُونٍ} أي: لا يزال متردّداً بين الأمرين ، وهو إمساك البنت التي بشر بها ، أو دفنها في التراب {على هُونٍ} أي: هوان.
وكذا قرأ عيسى الثقفي.
قال اليزيدي: والهون: الهوان بلغة قريش.
وكذا حكاه أبو عبيد عن الكسائي ، وحكي عن الكسائي أنه البلاء والمشقة ، قالت الخنساء:
نهين النفوس وهون النفو... س يوم الكريهة أبقى لها
وقال الفراء: الهون: القليل بلغة تميم.