فقال: {ولا يؤاخذ الله الناس بظلمهم} وأيضاً فلو كان خلقاً لله تعالى لكانت مؤاخذتهم بها ظلماً من الله تعالى ، ولما منع الله العباد من الظلم في هذه الآية ؛ فبأن يكون منزهاً عن الظلم كان أولى ، قالوا: ويدل أيضاً على أن أعمالهم مؤثرة في وجوب الثواب والعقاب أو قوله: {بظلمهم} الباء فيه تدل على العلية كما في قوله: {ذلك بأنهم شاقوا الله} [الأنفال: 13] .
واعلم أن الكلام في هذه المسائل قد ذكرناه مراراً فلا نعيده.
والله أعلم.
المسألة الرابعة:
ظاهر الآية يدل على أن إقدام الناس على الظلم يوجب إهلاك جميع الدواب وذلك غير جائز ، لأن الدابة لم يصدر عنها ذنب ، فكيف يجوز إهلاكها بسبب ظلم الناس ؟
والجواب عنه من وجهين:
الوجه الأول: أنا لا نسلم أن قوله: ما ترك على ظهرها من دابة يتناول جميع الدواب.
وأجاب أبو علي الجبائي عنه: أن المراد لو يؤاخذهم الله بما كسبوا من كفر ومعصية لعجل هلاكهم ، وحينئذ لا يبقى لهم نسل ، ثم من المعلوم أنه لا أحداً إلا وفي أحد آبائه من يستحق العذاب وإذا هلكوا فقد بطل نسلهم ، فكان يلزمه أن لا يبقى في العالم أحد من الناس ، وإذا بطلوا وجب أن لا يبقى أحد من الدواب أيضاً ، لأن الدواب مخلوقة لمنافع العباد ومصالحهم ، فهذا وجه لطيف حسن.
والوجه الثاني: أن الهلاك إذا ورد على الظلمة ورد أيضاً على سائر الناس والدواب ، فكان ذلك الهلاك في حق الظلمة عذاباً ، وفي حق غيرهم امتحاناً ، وقد وقعت هذه الواقعة في زمان نوح عليه السلام.