فللإنسان عند المصائب أربعة مقامات وأربعة أحكام:
الأول: الجزع .. وهو محرم.
الثاني: الصبر .. وهو واجب.
الثالث: الرضا .. وهو مستحب.
الرابع: الشكر .. وهو أحسن وأفضل وأكمل، فإن المصيبة يترتب عليها أجر عظيم وتلك نعمة، وكل نعمة لا بد لها من الشكر، والإنسان إذا لم يأت بخطيئة، وأصابته مصيبة فنقول له: إن هذا من باب امتحان الإنسان على الصبر، ورفع درجاته باحتساب الأجر، وهذه المصيبة لا تلاقي ذنباً تكفره، لكنها تلاقي قلباً تمحصه، ليصل المرء بصبره إلى أعلى درجات الصابرين.
وفي كل مصيبة وفي كل بلاء خمس فوائد، ينبغي للعبد أن يشكر الله عليها:
الأولى: أن كل مصيبة مهما كانت فالله قادر أن يجعلها أعظم، فليشكر الله إذ لم تكن أعظم، فمن ذهب بعض ماله فليحمد الله أنه لم يذهب كل ماله.
الثانية: أن المصيبة كانت في الدنيا أو النفس، ولم تكن في الدين.
الثالثة: أنها عجلت في الدنيا، ومصائب الدنيا يتسلى عنها فتخف، ومصيبة الآخرة دائمة لاذعة وقاسية.
الرابعة: أن هذه المصيبة مكتوبة عليه في أم الكتاب، ولم يكن بد من وصولها إليه، فقد وصلت واسترا ح منها، فهي نعمة، فليرض بذلك ويشكر الله عليها،
لينال أجر ذلك.
الخامسة: أن ثواب المصيبة أكثر منها كما قال سبحانه: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (10) } [الزمر: 10] .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ، وَلا هَمٍّ وَلا حُزْنٍ وَلا أذًى وَلا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلا كَفَّرَ الله بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» متفق عليه.
وللعبد فيما يصيبه من أذى الخلق وجنايتهم عليه مشاهد:
الأول: مشهد القدر، وأن ما جرى عليه بمشيئة الله وقدره، لا يمكن دفعه، فيراه كالتأذي بالحر والبرد، والمرض والألم، وانقطاع الأمطار.
فإن الكل أوجبته مشيئة الله، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
الثاني: مشهد الصبر، فيشهده ويشهد وجوبه، وحسن عاقبته، وجزاء أهله، وما يترتب عليه من الغبطة والسرور، ويخلصه من ندامة المقابلة والانتقام، فما انتقم أحد لنفسه قط إلا أعقبه الله ذلك ندامة.