فيرسل الله إليه الرسل رسولاً بعد رسول، وينزل على الرسل الكتب والآيات والمعجزات، ويخبرهم عن ذوات أنفسهم، وعمن سبقهم، ويسوقهم إلى ما ينفعهم، ويحذرهم مما يضرهم، كل ذلك من أجل هذا الإنسان.
والناس خلقاء أن يدركوا هذه الحقيقة، ليدركوا مدى فضل الله ورعايته ورحمته، وليستحيوا أن يقابلوا فضل الله الخالص، ورعايته المجردة، ورحمته الفائضة بالإعراض والجحود والإنكار.
وكتاب الله سبحانه يلمس بمثل هذه الحقائق الكبرى قلوب البشر، لأن الحقيقة حين تجلى أفعل في النفس، ولأنه هو الحق، وبالحق نزل، فلا يتحدث إلا بالحق، ولا يقنع إلا بالحق، ولا يعرض إلا الحق، ولا يشير ويوصي بغير الحق.
فما أحوجنا إلى تدبر القرآن بنور الإيمان: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29) } [ص: 29] .
والله عزَّ وجلَّ لطيف بعباده يرزق من يشاء، يرزق الصالح والطالح، والمؤمن
والكافر، وهوالغني المالك لذلك، القادر عليه: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (19) } [الشورى: 19] .
والبشر أعجز من أن يرزقوا أنفسهم شيئاً، وقد وهبهم الله الحياة، وكفل لهم أسبابها الأولية، ولو منع الله رزقه عن الكافر والفاسق ما استطاعوا أن يرزقوا أنفسهم، ولماتوا جوعاً وعطشاً وعرياً، وعجزاً عن أسباب الحياة الأولى، ولما تحققت الحكمة من إحيائهم وإعطائهم الفرصة ليعملوا في الحياة الدنيا ما يحسب لهم في الآخرة أو عليهم.
ومن ثم أخرج سبحانه الرزق من دائرة الصلاح والطلاح، والإيمان والكفر، وعلقه بأسبابه الموصولة بأوضاع الحياة العامة، واستعداد الأفراد، وجعله فتنةً وابتلاءً يجزي عليهما الناس يوم الجزاء.
ثم جعل سبحانه الدنيا حرثاً والآخرة حرثاً يختار المرء منهما ما يشاء: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20) } [الشورى: 20] .