والناس جميعاً في مشارق الأرض ومغاربها، الأغنياء والفقراء، العامة والخاصة، السادة والعبيد، كلهم بحاجة أن يذكروا بهذه الحقيقة، لئلا يركبهم الغرور وهم يرون أن الله عزَّ وجلَّ يعني بهم، ويرسل إليهم الرسل، ويجاهد الرسل أن يردوهم عن الضلالة إلى الهدى، ويخرجوهم من الظلمات إلى النور، فيركبهم الغرور، فيظنون أنهم شيء عظيم عند الله، وأن هداهم وعبادتهم تزيد شيئاً في ملك الله تعالى وهو الغني الحميد.
إن الله جل جلاله إنما يعامل عباده هكذا رحمة منه وفضلاً، وكرماً ومناً، لأن هذه صفاته المتعلقة بذاته، لا لأن هؤلاء العباد يزيدون في ملكه شيئاً بهداهم، أو ينقصون من ملكه شيئاً بعماهم، ولا لأن هؤلاء العباد مخلوقات نادرة، عزيزة صعبة الإعادة أو الاستبدال، فيغتفر لهم ما يقع منهم، لأنهم صنف لا يعاد ولا يستبدل.
وإن الله بالناس لرؤوف رحيم، يمنح العباد من رعايته، ويفيض عليهم من رحمته، ويغمرهم بسابغ فضله، بتسخير ما في السموات والأرض لهم، وإرسال رسله إليهم، وإنزال كتبه عليهم، واحتمال رسله ما يحتملون من إيذائهم وإعراضهم والسخرية منهم، وهم يعفون عنهم، ويصبرون على أذاهم.
إن الإنسان ليحار ويدهش في فضل الله ومنّه وكرمه حين يرى هذا الإنسان الصغير الضئيل، الجاهل القاصر .. الضعيف العاجز، ينال من كرامة الله وعنايته ورعايته كل هذا القدر الهائل.
وإلإنسان ساكن صغير من سكان هذه الأرض السابحة في الفضاء، والسماء والأرض مملوءة بمخلوقات لا يحصيها إلا الله، ثم ينال الإنسان من الله كل هذه الرعاية والعناية كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70) } [الإسراء: 70] .
فكم فضل الله وإحسانه إلى العباد، خلق الله الإنسان، واستخلفه في الأرض ووهبه كل أدوات الخلافة، سواء كان في تكوينه وتركيبه، أو تسخير القوى والطاقات الكونية الملازمة له في خلافته، ويظل هذا المخلوق يتبجح حتى ليشرك بربه أو ينكره.