وإنما تقع المباهاة بالصائمين في رمضان من هذه الأمة؛ لأن الصوم - وإن كان من عبادات الملائكة كما تقدم - فإنه من بني آدم أتم؛ لأن ترك الطعام والشراب من الملائكة ليس فيه كبير أمر لأنهم لا يحتاجون إليه؛ إذ لا شهوة لهم، وسلطان الشهوة لا يقاومه الإنسان إلا بقوة زائدة، وصبر شديد، ولو ركبت تلك الشهوة في الملائكة لما أطاقوا مقاومتها كما علمت من قصة هاروت وماروت، فلذلك يباهي الله بالصَّائم.
ألا ترى أن الله تعالى يقول في مباهاة الملائكة:"انظروا إلى عبدي ترك شهوته من أجلي؟".
وفي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدم يُضاعَفُ؛ الْحَسَنةُ بِعَشْرَةِ أَمْثالِها إِلَىْ سَبع مِئَةِ ضِعْفٍ، قالَ اللهُ - عز وجل: إِلاَّ الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِيْ، وَأَنا أَجْزِيْ بِهِ؛ يَدَعُ طَعامَهُ، وَشَرابَهُ، وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِيْ". رواه الأئمة مالك، وأحمد، والستة.
وأراد بقوله:"وشهوته": النكاح؛ لأنه أشار إلى شهوة الطعام والشراب أولاً.
وإذا كانت المباهاة للملائكة تكون بترك الشهوة الحلال في الصوم، فكيف بترك الشهوة الحرام إذا أمكنت؟ ومن ثَمَّ كان من دعته امرأة ذات حسن فقال:"إني أخاف الله"من السبعة المظللين يوم القيامة في ظل العرش، كما سيأتي.
بل الصبر عن كل معصية تدعو إليها الشهوة؛ كشرب الخمر، وطلب الدنيا بالطرق المحرمة، ينبغي أن يكون مخصوصاً ببني آدم؛ فإن الصبر كما قال حجة الإسلام: عبارة عن ثبات باعث الدين في مصادمة باعث الهوى، والملائكة خالون عن الشهوة والهوى، فلا يتحقق معنى الصبر فيهم.
وفي الحديث تسمية رمضان"شهر الصبر".
وفيه:"الصوم نصف الصبر"، أي: الصوم المخصوص ببني آدم، أو بالثقلين نصف الصبر.
فأمَّا الصوم من الملائكة فليس من الصبر في شيء؛ إذ لا شهوة لهم، فالمباهاة بالصائمين إنما هي بصبرهم في صومهم عن الشهوات التي لا يتأتى نظيره من الملائكة عليهم السلام، وقد وقعت الإشارة إلى هذا في حديث ابن مسعود السابق يقول الله تعالى:"انظروا إلى عبدي! ابتليته بالطعام والشراب في الدنيا، فتركهما".