فقد علم بذلك أن أفعال الملائكة عليهم السَّلام على وفق ما يؤمرون به لا يمنعهم من فعل ما أمروا به منها حظ نفس، ولا طلب شهوة، ولا قسوة، ولا رحمة، اطلعوا على حكمته أم لم يطلعوا، وأنه لا يتهيأ للبشر التشبه بهم في كل ما يفعلونه لاتصافهم بالحظوظ، وابتلائهم بالشهوات، ولغير ذلك.
بل ثَمَّ أفعال يتأتى صدورها عن البشر على وفق الشرائع التي كلفوا بها، فيحسن التشبه بهم منهم فيها دون ما لا يتأتى منهم صدوره منها على وفق الشريعة؛ فافهم.
فَصْلٌ
اعلم أن لهذه الأمة المحمدية طاعات يباهي الله تعالى بهم الملائكة بسببها؛ إمَّا لأنها ليست من أعمال الملائكة، وإمَّا لأنها تؤدى في البشر أكمل مما تؤدى في الملائكة، وإمَّا لغير ذلك، فأردت أن أذكر هنا نبذة في خاتمه هذا الباب.
روى مسلم، والترمذي، والنسائي، وغيرهم عن معاوية رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج على حلقة من أصحابه فقال:"ما أَجْلَسَكُمْ؟"قالوا: جلسنا نذكر الله، ونحمده على ما هدانا للإسلام، ومَنَّ به علينا، قال:"آللهِ ما أَجْلَسَكُمْ إِلاَّ ذَلِكَ؟"قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذلك، قال:"أَما إِنَّي لا أَسْتَحْلِفُكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتانِيْ جِبْرِيْلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأَخْبَرنيْ أَنَّ اللهَ يُباهِيْ بِكُمُ الْمَلائِكَةَ".
المباهاة: من البهاء، وهو الحسن والجمال؛ أي: يفاخر الملائكة بحالتكم البهية، ويقول لهم: انظروا إلى عبادي كيف حاشهم
ذكري، وجمع بينهم شكري.
وروى الإمام أحمد بسند حسن، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كان عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه إذا لقي الرجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: تعال نؤمنْ بربنا ساعة، فقال ذات يوم لرجل، فغضب الرجل، فجاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله! أما ترى إلى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"يَرْحَمُ اللهُ ابْنَ رَواحَةَ؛ إِنَّهُ يُحِبُّ الْمَجالِسَ الَّتِيْ تباهَىْ بِها الْمَلائِكَةُ".