ولما كانت هذه الأحوال الثلاثة مفروضة في حال أمنهم من العذاب وكان الأمن من العدو يكون عن ظن عدم قدرته عليه ، علل ذلك بقوله تعالى: {فما هم بمعجزين} أي في حالة من هذه الأحوال ، سواء علينا غفلتهم ويقظتهم ، ولم يعلل ما بعده بذلك لأن المتخوف مجوّز للعجز ، فقال تعالى: {أو يأخذهم} أي الله أخذ غضب {على تخوف} منهم من العذاب وتحفظ من أن يقع بهم ما وقع بمن قبلهم من عذاب الاستئصال ، ويجوز أن يراد بما مضى عذاب الاستئصال ، وبهذا الأخذ شيئاً فشيئاً ، فإن التخوف التنقص عند هذيل ، روي أن عمر - رضي الله عنهم - سأل الناس عنها فسكتوا فأجابه شيخ من هذيل بأنه التنقص ، فقال عمر - رضي الله عنهم -: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم! قال شاعرنا أبو كثير الهذلي يصف ناقة:
تخوف الرحل منها تامكاً قرداً ...
كما تخوف عود النبعة السفن
فقال عمر - رضي الله عنهم -: أيها الناس! عليكم بديوانكم لا يضل ، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية ، فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم.
ولما كان التقدير: لم يأمنوا ذلك في نفس الأمر ، ولكن جهلهم بالله - لطول أناته وحلمه - غرهم سبب عنه قوله التفاتاً إلى الخطاب استعطافاً: {فإن ربكم} أي المحسن إليكم بإهلاك من يريد وإبقاء من يريد {لرءوف} أي بليغ الرحمة لمن يتوسل إليه بنوع وسيلة ، وكذا لمن قاطعه أتم مقاطعة ، وإليه أشار بقوله تعالى: {رحيم} أي فتسبب عن إمهاله لهم في كفرهم وطغيانهم مع القدرة عليهم العلم بأن تركه لمعاجلتهم ما هو إلا لرأفته ورحمته.