في تلك الأرض يتبوا منها حيث يشاء، فكان على ذلك يصدر أحكامه وكثيرًا من
أفعاله على ما يوافق حكمة الله في عباده الذي متى قصه كان من أحسن القصص،
وسيأتي ذكر بعضه إشارة إليه وتعريضًا به.
(وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) المخاطب بهذا هو الرسول -
صلوات الله وسلامه عليه - ثُمَّ جميع أمته من بعده، ولم تكن غفلته - صلى الله عليه وسلم - غفلة إهمال
العقل ولا ترك تفكر وتذكر حتى يكون بذلك لا يعتقد شيثًا كما زعم من زعم، ومن
شرح الله صدره صغيرًا وبارك عليه، ثم شرح صدره كبيرًا ورفع ذكره في السَّمَاوات
وفي الأرض في كل ذلك فملأه حكمة وإيمانًا وإنباء ونورًا لا ينبغي أن تعتقد فيه
هذا ولا ما يقاربه، وكثير من عباده لم ينزله الله هذه المنزلة، ولا رفعه
إلى هذه الدرجة، ولا بوَّأه هذه المرتبة يبعد هذا الوصف فيه عنه إلا ما
شاء الله، فكيف به صلوات الله وسلامه عليه؟.
وإنما الغفلة المعنية بهذا الوصف في غفلته عما جاء به القرآن من قصص
وأحكام وإعلام بأسماء الله - جلَّ جلالُه - وصفات، كان غافلاً عن تحقق أكثر ذلك أحسن
وصف الغفلة في هذا القرآن في أم الكتاب، وهو اللوح المحفوظ، وقد بيَّن الوجود
اللوح المحفوظ، ولا يصده عن المعرفة غير الغفلة وإن كان قد أوتي - صلى الله عليه وسلم - من هذا
كله فيما ألقى إليه وملئ به صدره وقلبه من أوائل معاني الإنباء ما ينوب، أو
في تحقيق درتجه التي أريد بها أن علم الفطرة للمؤمن، فعن تصور حقيقة
المراد بذلك وما ينحو نحو هذا يمكن أن يوصف مثله بالغفلة حتى جاءه القرآن
العزيز من عند الله - جلَّ جلالُه - مريده وبركته وتبيانه.
ألا تسمعه - جل من قائل - يقول بعد إيجابه إليه الكثير من القرآن العظيم:
(كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) إلى
قوله: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا) .
ثم استمر - جل وتعالى - على تفصيل ما أوحى إليه من أمر ونهي ووعد