وجوز أن تعد نفس الرؤيا من نعم الله تعالى عليه فيكون جميع النعم الواصلة إليه بحسبها مصداقاً لها تماماً لتلك النعمة ولا يخلو عن بعد ، وقيل: المراد من الاجتباء إفاضة ما يستعد به لكل خير ومكرمة ، ومن تعليم تأويل الأحاديث تعليم تعبير الرؤيا ، ومن إتمام النعمة عليه تخليصه من المحن على أتم وجه بحيث يكون مع خلاصه منها ممن يخضع له ، ويكون في تعليم التأويل إشارة إلى استنبائه لأن ذلك لا يكون إلا بالوحي وفيه أن تفسير الاجتباء بما ذكر غير ظاهر ، وكون التعليم فيه إشارة إلى الاستنباء في حيز المنع وما ذكر من الدليل لا يثبته ، فإن الظاهر أن إخوته كانوا يعلمون التأويل وإلا لم ينهه أبوه عليه السلام عن اقتصاص رؤياه عليهم خوف الكيد ، وكونهم أنبياء إذ ذاك مما لم يذهب إليه ذاهب ولا يكاد يذهب إليه أصلاً ، نعم ذكروا أنه لا يعرف التعبير كما ينبغي إلا من عرف المناسبات التي بين الصور ومعانيها وعرف مراتب النفوس التي تظهر في حضرة خيالاتهم بحسبها فإن أحكام الصورة الواحدة تختلف بالنسبة إلى الأشخاص المختلفة المراتب وهذا عزيز الوجود ، وقد تثبت الخطأ في التعبير من علماء أكابر ، فقد روي أبو هريرة أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
"إني رأيت ظلة ينطف منها السمن والعسل وأرى الناس يتكففون في أيديهم فالمستكثر والمستقل وأرى سبباً واصلاً من السماء إلى الأرض فأراك يا رسول الله أخذت به فعلوت ثم أخذ به رجل آخر فعلا ثم أخذ به رجل آخر فعلا ثم أخذ به رجل آخر فانقطع به ثم وصل له فعلاً فقال أبو بكر رضي الله تعالى: أي رسول الله لتدعني فلأ عبرها فقال عليه الصلاة والسلام: عبرها ، فقال: أما الظلة فظلة الإسلام."
وأما ما ينطف من السمن والعسل فهو القرآن لينه وحلاوته.
وأما المستكثر والمستقل فالمستكثر من القرآن والمستقل منه.