{قَالَ يَا بُنَيَّ}
صغره للشفقة ويسمى النحاة مثل هذا تصغير التحبيب ، وما ألطف قول بعض المتأخرين:
قد صغر الجوهر في ثغره...
لكنه تصغير تحبيب
ويحتمل أن يكون لذلك ولصغر السن ، وفتح الياء قراءة حفص ، وقرأ الباقون بكسرها ، والجملة استئناف مبني على سؤال كأنه قيل: فماذا قال الأب بعد سماع هذه الرأية العجيبة من ابنه؟ فقيل: قال: {أَوْ بَنِى} {لاَ تَقْصُصْ رُءيَاكَ على إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا} أي فيحتالوا لإهلاكك حيلة عظيمة لا تقدر على التفصي عنها أو خفية لا تتصدى لمدافعتها ، وإنما قال له ذلك لما أنه عليه السلام عرف من رؤياه أن سيبلغه الله تعالى مبلغاً جليلاً من الحكمة ويصطفيه للنبوة وينعم عليه بشرف الدارين فخاف عليه حسد الاخوة وبغيهم فقال له ذلك صيانة لهم من الوقوع فيما لا ينبغي في حقه وله من معاناة المشاق ومقاساة الأحزان وإن كان واثقاً بأنهم لا يقدرون على تحويل ما دلت عليه الرؤيا وأنه سبحانه سيحقق ذلك لا محالة وطمعاً في حصوله بلا مشقة وليس ذلك من الغيبة المحظورة في شيء ، والرؤيا مصدر رأى الحلمية الدالة على ما يقع في النوم سواء كان مرئياً أم لا على ما هو المشهور ، والرؤية مصدر رأى البصرية الدالة على إدراك مخصوص ، وفرق بين مصدر المعنيين بالتأنيثين ، ونظير ذلك القربة للتقرب المعنوي بعبادة ونحوها ، والقربى للتقرب النسبي وحقيقتها عند أهل السنة كما قال محيى الدين النووي نقلاً عن المازني: أن الله سبحانه يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان وهو سبحانه يخلق ما يشاء لا يمنعه نوم ولا يقظة ، وقد جعل سبحانه تلك الاعتقادات علماً على أمور أخر يخلقها في ثاني الحال ، ثم إن ما يكون علماً ما يسر يخلقه بغير حضرة الشيطان.
وما يكون علماً على ما يضريخلقه بحضرته.