خبرَ مَا، ويجعلونه بمنزلة ليس وَ"مَا"مَعناها معنى ليس في النفي، وهذه
لغة أهل الحجاز، وهي اللغَةُ القُدْمَى الجيدَةُ.
وزعم بعضهم أن الرفْعَ في قولك: (مَا هَذَا بَشَرًا) أقْوى الوجهين، وهذا غلط، لأن كتاب اللَّه ولغة رسول اللَّه أقْوى الأشياء وأقوى اللغات.
ولغة بني تميم: ما هذا بشر.
ولا تجوز القراءة بها إلَّا بروايةٍ صَحيحةٍ.
والدليل على ذلك إجماعهم على: (مَا هُنَّ أمَّهَاتِهِمْ)
وما قرأ أحَد ما هُنَّ أُمَّهَاتُهمْ.
وقوله: (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ(32)
(لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ) .
القراءة الجيدة تخفيف لَيَكُونًا. والوقوف عليها بالألف، لأن النون
الخفيفة تبدل منها في الوقف الألف، تقول: اضْرباً زيداً، فإذا وقفت قلت:
اضربَا، كما أبدلت في: رأيتُ زيداً الألف من التنوين، وقد قرئت: ولتكونَنَّ - بتشديد النُّونِ، وأكرهها لخلاف المصحف، لأنَّ الشديدة لا يُبْدَلُ منها شيء .
(مِنَ الصَّاغِرِينَ) . مِنَ المذَلِّيِنَ.
(قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ(33)
والسَّجْن جميعاً - بكسر السين وفتحها - فمن فتح فعلى المصدر.
المعنى أَنْ أُسْجَنَ أَحبُّ إليَّ، ومن كسرَ فعَلَى اسم المكَانِ، فيكون المعنى:
نُزولُ السجنِ أَحبُّ إليَّ مِمًا يَدْعُونَنِي إليْهِ، أي من ركوب المعصية.
(وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ) .
أي إلا تعْصِمْني أَصْبُ إليْهِنَّ، أَي أَمِلْ إلَيْهن. يقال: صبا إلى اللَّهْوِ
يصبو صُبُوًّا، وصِبِيًّا، وَصَبًّا، إذا مالَ إلَيْه (1) .
(1) قال السَّمين:
قوله: {أَصْبُ} قرأ العامة بتخفيف الباء مِنْ صَبا يَصْبو أي: رَقَّ شَوْقُه. والصَّبْوة: المَيْلُ إلى الهوى، ومنه"الصَّبا"لأنَّ النفوس تَصْبو إليها أي: تميل، لطيب نسميِها ورَوْحِها يقال: صَبَا يَصْبُو صَباءً وصُبُوَّاً، وصَبِيَ يصبى صَبَاً، والصِّبا بالكسر اللَّهْوُ واللعب.
وقرأت فرقة"أَصَبُّ"بتشديدها مِنْ صَبْبتُ صَبابة فأنا صَبٌّ، والصَّبابَةُ: رِقَّةُ الشوق وإفراطه كأنه لفرط حبه ينصبُّ فيما يَهْواه كما ينصبُّ الماء.
اهـ (الدر المصون) .