التاسعة: وفي هذه الآية دليل على أن مباحاً أن يحذّر المسلم أخاه المسلم ممن يخافه عليه ، ولا يكون داخلاً في معنى الغِيبة ؛ لأن يعقوب عليه السلام قد حذّر يوسف أن يقص رؤياه على إخوته فيكيدوا له كيداً ، وفيها أيضاً ما يدلّ على جواز ترك إظهار النعمة عند من تخشى غائلته حسداً وكيداً ؛ وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"استعينوا على (إنجاح) حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود"وفيها أيضاً دليل واضح على معرفة يعقوب عليه السلام بتأويل الرؤيا ؛ فإنه علم من تأويلها أنه سيظهر عليهم ، ولم يبال بذلك من نفسه ؛ فإن الرجل يودّ أن يكون ولده خيراً منه ، والأخ لا يود ذلك لأخيه.
ويدلّ أيضاً على أن يعقوب عليه السلام كان أحسّ من بنيه حسد يوسف وبغضه ؛ فنهاه عن قصص الرؤيا عليهم خوف أن تَغِلّ بذلك صدورهم ، فيعملوا الحيلة في هلاكه ؛ ومن هذا ومن فعلهم بيوسف يدلّ على أنهم كانوا غير أنبياء في ذلك الوقت ، ووقع في كتاب الطبريّ لابن زيد أنهم كانوا أنبياء ، وهذا يرده القطع بعصمة الأنبياء عن الحسد الدنيويّ ، وعن عقوق الآباء ، وتعريض مؤمن للهلاك ، والتآمر في قتله ، ولا التفات لقول من قال إنهم كانوا أنبياء ، ولا يستحيل في العقل زلّة نبيّ ، إلا أن هذه الزلّة قد جمعت أنواعاً من الكبائر ، وقد أجمع المسلمون على عصمتهم منها ، وإنما اختلفوا في الصغائر على ما تقدّم ويأتي.
العاشرة: روى البخاريّ عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"لم يبق من النبوّة إلا المبشِّرات قالوا: وما المبشِّرات؟ قال: الرؤيا الصالحة"وهذا الحديث بظاهره يدلّ على أن الرؤيا بشرى على الإطلاق وليس كذلك ؛ فإن الرؤيا الصادقة قد تكون منذرة من قِبل الله تعالى لا تسر رائيها ، وإنما يريها الله تعالى المؤمن رفقاً به ورحمة ، ليستعد لنزول البلاء قبل وقوعه ؛ فإن أدرك تأوّلها بنفسه ، وإلا سأل عنها من له أهلية ذلك.