قوله تعالى {فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} إذا طاب عيش العارفين بجمال معروفهم وسكنوا بمواسات لطائف قربه واستانسوا بنرجس مودته وورد وصلته وياسمين نور صحبته واطمانوا في مكانات كشوف غرائب الملك والملكوت وآمنوا من بليات الامتحان هاج غيرة القدم عليهم واقلهم طوارقات القهر والقتهم إلى منازل الامتحان وجعلت اعالى قلوبهم وأحوالهم اسافل نفوسهم وشهواتها حتى يعرفوا ان ساحة الكبرياء منزهة عن الإنس والوحشة والوجود والعدم والمريدون إذ استكبروا على المشائخ يقلب الله مواجيدهم بطر النفوس ومجاهدتهم اتباع شهواتهم الويل لمن كان شانه هكذا امطر عليهم احجار البعد نعوذ بالله منها وسماتها تواتر العصيان والخروج على اطيار بساتين الرحمان وهذا جزاء من خرج على سلوته ومشائخه قال الله {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} أي ما هذا الحجاب والبعد من التاركين السنة والمتابعة ببعيد قال بعضهم لما ادركهم الحكم السابق الجارى في الأزل عليهم قلبنا عليهم ارضهم كما حكمنا عليهم بتقليب قلوبهم وصرفهم عن طريق الحق وسبل الرشاد وقال محمد بن الفضل ما أصاب قوم لوط ما أصابهم إلا بالتهاون بالأمر وقلة المبالاة وارتكاب المحارم بالتاويلات قال الله وما هي من الظالمين ببعيد أي ما له بعذاب ممن عملوا ما عملوا من تخطى الشرع والتهاون بالأمر وارتكاب المناهى بالتاويلات بعيد.
قوله تعالى {إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ} أراد خير الدنيا الذي هو محل الاستدراج والامتحان وان راى خير الآخرة ما خان عليهم وأهل المعرفة إذ راوا أنفسهم في اعالى الدرجات والمقامات والاستقامة زادتهم خوفا لأنهم عرفوا الله بغيرة القدم ولا يستقيم بازاء غيرته الحدثان ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم انا اعرفكم بالله واخوفكم منه قال بعضهم اقرب حال إلى الاستدراج أيام الامن والدعة وتواتر النعم عليك وترادف الخيرات عندك ألا ترى الله حاكيا عن بعض أنبيائه لامته انى اراكم بخير وانى اخاف عليكم وقال بعضهم في اراكم بخير أي بنعمة من الله وانى اخاف عليكم تقصيركم في شكر النعمة.