وقال آخرون: (مِنْ أَنْفُسِكُمْ) ، أي: من أنسابكم، وهو أيضًا موضع الامتنان عليهم؛ حيث بعثه من أنسابهم يعرفون نسبه ومولده ومنشأه من بين أظهرهم سليمًا عن جميع الآفات بريئا عن جميع المطاعن والعيوب؛ لأن المرء إذا كان مولده ومنشؤه من غير أظهرهم في قبيلة أو في مكان لا يعرف له النسب، ربما يتمكن فيه الطعن والعيب، ويقع التناكر في نسبه؛ لجهلهم بنسبه ومولده ومنشئه على السلامة والصحة والبراءة من العيوب، فبعث رسوله محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ؛ لئلا يتمكن فيه ما ذكرنا من المطاعن، ولا يعرف شيء من العيوب والآفات التي ذكرنا فيه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (مِنْ أَنْفُسِكُمْ) ،أي: من العرب أميًّا كما هم، لا يكتب ولا يقرأ ولا يخطه بيمينه على ما وصفه في كتابه: (النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ...) الآية، وقال: (وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) ، وذلك أن العرب تتمنى أن يبعث رسول منهم بقوله: (لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ) ، ذكر مجيء الرسول من أنفسهم؛ ليكون أبعد من المطاعن التي طعنوا فيه والآفات التي ذكروا فيه، وأبرأه من العيوب التي رموه بها من نحو السحر والكهانة والجنون والافتراء على اللَّه، وليكون أقرب إلى المعرفة بأنه رسول؛ لأن ما يأتي به من الآيات والحجج يعرفون أنها سماوية؛ لما عرفوا أنه لم يتعلم السحر ولا أخذوا عليه بكذب قط ولا جن قط بما كان منشؤه فيما بين أظهرهم.
وقوله: (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) . قيل: شديد عليه ما أعنتكم، أي: ما ضيق عليكم وضركم. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: العنت: الضيق. وقَالَ بَعْضُهُمْ: العنت: الإثم، أي: شديد عليه ما أثمتم. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: هو إلى الإثم أقرب. وهو يحتمل كل إثم: الكفر وغيره.