وَأَمَّا الْكَلَامُ مَعَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مِنْ نَاحِيَةِ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي يَزْعُمُونَ الِانْفِرَادَ بِهَا دُونَ عُلَمَاءِ السَّلَفِ فَهُوَ أَنَّ حُبَّ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ كَالْإِيمَانِ وَالْعَدْلِ وَأَهْلِهِمَا ، وَكَرَاهَةَ الْبَاطِلِ كَالْكُفْرِ ، وَالشَّرِّ كَالظُّلْمِ وَمُجْتَرِحِيهِمَا ، كِلَاهُمَا مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ الْمَحْضِ ، وَكُلُّ مَا كَانَ كَمَالًا مَحْضًا فَالْعَقْلُ يُوجِبُهُ لِوَاجِبِ الْوُجُودِ بِأَعْلَى مِمَّا يَكُونُ
مِنْهُ لِلْوُجُودِ الْمُمْكِنِ - فَقَدِ اتَّفَقَ الْعَقْلُ مَعَ النَّقْلِ عَلَى إِثْبَاتِ هَذِهِ الصِّفَاتِ لِلَّهِ بِمَعْنًى أَكْمَلَ مِمَّا هِيَ فِي خِيَارِ النَّاسِ ، وَلَكِنْ لَا يُمْكِنُ وَضْعُ أَسْمَاءَ لَهَا مِنْ كَلَامِ النَّاسِ تَدُلُّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ مُسَمَّيَاتِهَا فِي الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ إِلَى الْوَحْيِ الْفَاصِلِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (42: 11) فَالتَّنْزِيهُ فِي الْجُمْلَةِ الْأُولَى السَّالِبَةِ أَزَالَ مَا يَسْتَلْزِمُهُ التَّشْبِيهُ فِي الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ الْمُوجِبَةِ ، بَلْ قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ بْنُ عَرَبِيٍّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: إِنَّ الْإِيمَانَ الصَّحِيحَ هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ التَّنْزِيهِ وَالتَّشْبِيهِ .
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
(أَفْعَالُ اللهِ فِي تَصَرُّفِهِ وَتَدْبِيرِهِ لِأُمُورِ خَلْقِهِ بِمُقْتَضَى سُنَنِهِ ، لَا يَجْعَلُهُمْ مُجْبَرِينَ بِقُدْرَتِهِ)
قَالَ تَعَالَى: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ) (9: 14) الْآيَةَ .