وقرأ عبد الله بن قُسيط المكي من"أنْفَسِكم"بفتح الفاء من النفاسة ؛ ورويت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وعن فاطمة رضي الله عنها ؛ أي جاءكم رسول من أشرفكم وأفضلكم ؛ من قولك: شيء نفيس إذا كان مرغوباً فيه.
وقيل: من أنفسكم ؛ أي أكثركم طاعة.
قوله تعالى: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} أي يَعِزُّ عليه مشقتكم.
والعَنَت: المشقة ؛ من قولهم: أَكَمة عَنُوت إذا كانت شاقة مهلكة.
وقال ابن الأنباريّ: أصل التعنت التشديد ؛ فإذا قالت العرب: فلان يتعنّت فلاناً ويُعنِته فمرادهم يشدّد عليه ويلزمه.
بما يصعب عليه أداؤه.
وقد تقدّم في"البقرة".
"وما"في"ما عَنِتُّمْ"مصدرية ، وهي ابتداء و"عَزِيزٌ"خبر مقدّم.
ويجوز أن يكون"ما عنتم"فاعلاً بعزيز ، و"عزيز"صفة للرسول ، وهو أصوب.
وكذا"حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ"وكذا"رَؤوفٌ رَحِيمٌ"رفع على الصفة.
قال الفراء: ولو قرئ عزيزاً عليه ما عنتم حريصاً رؤوفاً رحيماً ، نصباً على الحال جاز.
قال أبو جعفر النحاس: وأحسن ما قيل في معناه مما يوافق كلام العرب ما حدّثنا أحمد بن محمد الأزديّ قال حدّثنا عبد الله بن محمد الخزاعيّ قال سمعت عمرو بن عليّ يقول: سمعت عبد الله بن داود الخُرَيْبِي يقول في قوله عز وجل: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} قال: أن تدخلوا النار ، {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} قال: أن تدخلوا الجنة.
وقيل: حريص عليكم أن تؤمنوا.
وقال الفراء: شحيح بأن تدخلوا النار.
والحرص على الشيء: الشُّحُّ عليه أن يضيع ويتلف.
{بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} الرؤوف: المبالغ في الرأفة والشفقة.
وقد تقدّم في"البقرة"معنى"رَؤوفٌ رَحِيمٌ"مستوفًى.