مِنْ حِرْصِهِ عَلَى هِدَايَتِهمْ وَرُشْدِهِمْ وَإسْلَامِهِمْ وَشِدَّةِ مَا يُعْنِتُهُمْ وَيَضُرُّ بِهِمْ فِي دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ وَعِزَّتِهِ عَلَيْهِ وَرَأْفَتِهِ وَرَحْمتِهِ بِمُؤْمِنِيهِمْ، قَالَ بَعْضُهُمْ أَعْطَاهُ اسْمَيْنِ مِنْ أسمائه رؤف رَحِيمٌ وَمِثْلُهُ فِي الآيَةِ الْأُخْرَى قَوْلُهُ تَعَالى (لقد مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أنفسهم) الآية. وَفِي الآيَةِ الْأُخْرَى (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا منهم) الآية وَقَوْلُهُ تَعَالى (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ) الآية، وَرُوي عَن عَلِيّ بن أبي طالب رضي الله عَنْهُ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قوله تعالى (من أنفسكم) قَالَ نَسَبًا وَصِهْرًا وَحَسَبًا لَيْسَ فِي آبَائِي مِنْ لَدُنْ آدَمَ سِفَاحٌ كُلُّهَا نِكَاحٌ قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ كَتَبْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم خمسمائة أُمٍّ فَمَا وَجَدْتُ فيهم سِفَاحًا وَلَا شَيْئًا مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ الْجَاهِليَّةُ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (وَتَقَلُّبَكَ فِي الساجدين) قَالَ مِنْ نَبِيٍّ إِلَى نَبِيٍّ حَتَّى أَخْرَجْتُكَ نَبِيًّا، وَقَالَ جَعْفَرُ بنُ مُحَمَّدٍ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى عَجْزَ خَلْقِهِ عَنْ طَاعَتِهِ فَعَرَّفَهُمْ ذَلِكَ لِكَيْ يَعْلَمُوا أنَّهُمْ لَا يَنَالُونَ الصَّفْوَ مِنْ خِدْمَتِهِ، فأَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ مَخْلُوقًا مِنْ جلسهم فِي الصُّورَةِ، أَلْبَسَهُ مِنْ نَعْتِهِ الرَّأْفَةَ وَالرَّحْمَةَ، وَأَخْرَجَهُ إِلَى الْخَلْقِ سَفِيرًا صَادِقًا، وَجَعَلَ طَاعَتَهُ طَاعَتَهُ، ومَوَافَقَتَهُ مَوَافَقَتَهُ فَقَالَ تَعَالَى (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) وَقَالَ اللَّه تَعَالَى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) .
(فصل: في الشفقة والرّحمة)
وَأَمَّا الشَّفَقَةُ وَالرَّأْفَةُ وَالرَّحْمَةُ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ:
«عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ، بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ» .
وَقَالَ تَعَالَى: «وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» .