وَقَدْ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الْبُسْتِيُّ الْوَاعِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ الْجَوْهَرِيُّ سَمَاعًا عَلَيْهِ، يَقُولُ: كُنَّا فِي جِنَازَةٍ، فَقَالَ الْمُنْذِرُ بِهَا: انْصَرِفُوا رَحِمَكُمْ اللَّهُ فَقَالَ: لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ انْصَرِفُوا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي قَوْمٍ ذَمَّهُمْ: {ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} وَلَكِنْ قُولُوا: انْقَلِبُوا رَحِمَكُمْ اللَّهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي قَوْمٍ مَدَحَهُمْ: {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ: {صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} : إخْبَارٌ عَنْ أَنَّهُ صَارِفُ الْقُلُوبِ وَمُصَرِّفُهَا وَقَالِبُهَا وَمُقَلِّبُهَا رَدًّا عَلَى الْقَدَرِيَّةِ فِي اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ قُلُوبَ الْخَلْقِ بِأَيْدِيهِمْ وَجَوَارِحَهُمْ بِحُكْمِهِمْ، يَتَصَرَّفُونَ بِمَشِيئَتِهِمْ، وَيَحْكُمُونَ بِإِرَادَتِهِمْ، وَاخْتِيَارِهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ أَشْهَبُ: مَا أَبْيَنَ هَذَا فِي الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْقَدَرِ: {لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمْ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} .
وقَوْله تَعَالَى لِنُوحٍ: {أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِك إلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ} .
فَهَذَا لَا يَكُونُ أَبَدًا وَلَا يَرْجِعُ وَلَا يُزَالُ. انتهى انتهى. {أحكام القرآن لابن العربي حـ 2 صـ}