ألا ترى أنه قال: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ} فلو كان نوره ناقصاً، فدل أنه كان تاماً.
فيقال له: إن الإظهار لا يسمى إكمالاً، وقد يكون الشيء كاملاً غير ظاهر، وظاهراً غير كامل.
ولا يجوز مع هذا أن يكون بالإكمال في الآية الإظهار، وأيضاً فإنه لم يقع يوم نزلت هذه الآية للدين إظهار لم يكن من قبل، وعلى تأويلنا قد وقع له كمال لم يكن من قبل.
فنحن إذا أجريناها على ظاهرها اعتدل لنا ظاهرها.
وأنت إذا تأولتها امتنع عليك ما ينحلها فسيان ما القولان.
وأيضاً فكيف يجوز أن يكون المراد إظهار الدين الذي وعده بقوله عز وجل: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} .
وقد كان بقي من مشارق الأرض ومغاربها غير مفتوح أكثر من المفتوح، وفي ذلك ما يبين أن المراد بالآية ما قلنا وبه وردت الآثار فلا معك عنها إلى الهواجس التي تشبه الوساوس.
وأما قوله عز وجل: {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ} فالمراد به دينه الذي هدى به عباده، وإنما أتمه شيئاً فشيئاً ثم أكمله، فقال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} ومن ظن أن لله - عز وجل - نوراً سوى هدايته فهو إلى الإيمان أحوج منه إلى الكلام في الإيمان.
ويقال له: أحسبت أن الدين في كل وقت كان كاملاً، فما الذي منع من أن يكون الكمال درجات، فيكون كامل أكمل من كامل.
وقد قال الله عز وجل: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} فقلت: هذا كمال، ووراءه ما هو أبلغ منه وهو ثلاثون شهراً.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «من وقف بعرفة فقد تم حجه» .
وأجمعنا على أن وراءه تماماً آخر.
فلم أحلت أن يكون للدين في الكمال متأول، ثم يكون لها آخر إذا انتهى إليه قبل بالإطلاق، وقد كمل الدين وبالله التوفيق.
قال الرجل: فإن احتجوا بقول الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَاهَدُواْ} .
قيل لهم: إن المراد بالجهاد مجاهدة نفسه.
فيقال له: قد ثبت أن جهاد المسلم نفسه إيماناً، وأنت لا تقول ذلك، فسواء خالفت الآية بإنكار أن يكون هذا الجهاد إيماناً، وإنكار أن يكون جهاد المشركين إيماناً، وعلى أنه قيل في الآية: {بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} فصح أن المراد بها جهاد الكفار والله أعلم.