ويبطل القول بزيادة الإيمان لأنه لا يعرف ما يوصف بزيادة الطاعة، لأن المقصود منهما مجهول، وكذلك القول بالكمال إلا أن يشار إلى عبادة بعينها، فثبت أنه لا يجوز أن تكون كل طاعة إيماناً على الانفراد، وإن كان الإيمان عندهم اسماً لاجتماع جميع الطاعات وهو دين واحد، وإيمان واحد، فالقول بزيادة الإيمان لا معنى له لأنه لا أحد يبلغ في فعل العبادات والطاعات نهايته، فهو أبداً في جمع الإيمان وتحصيله غير مستكمل له، ولا بالغ غايته، فبطل أيضاً اعتبار هذا الوجه، فدل أن غير التصديق من الخيرات ليس بإيمان.
ويقال له: قولك أن غير التصديق من الخيرات ليس بإيمان كلام متناقض لأن فعل الخير كله تصديق كما مضى بيانه وتقديره، فإذا كان الإيمان التصديق، فكان فعل الخير تصديقاً وجب أن يكون إيماناً.
ويقال له: إن الطاعات كلها إيمان، وكل واحد منها إيمان إذا صحت وسلمت، ولا يلزم على ذلك أن يكون من جاء بعشرين طاعة جاء بعشرين إيماناً كما أن عندك أن الاعتقاد والإقرار إيمان، ثم لا يقول أن من جمعها كان جامعاً بين دينيين، أو بين إيمانيين.
فإن قال: التصديق يجمعهما.
قيل: والطاعة تجمعها، وما يتبع من الفرائض والنوافل عشرين كانت أو ثلاثين أو مائة، ولا يكون بذلك أدياناً ولا عدة أديان.
وأيضاً كان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث والحساب والجنة والنار والقدر واجب، والتصديق بكل ذلك إيمان.
ثم لا يقال: إنها عدة أديان وإيمان، فكذلك الطاعات إذا عدت من الإيمان لم يلزم أن يكون الإيمان أعداداً كثيرة، والإسلام أدياناً جمعه لا ديناً واحد، وهكذا يقبل كل ما كان بشرع، واحداً بعد واحد.
ويقبل ما قد شرع إيمان ومعلوم أنه إذا كان لكل شريعة تقبل، كثير التقبل، ثم لا يصير الدين بذلك أدياناً، ولا الإيمان يصير معدوداً، فكذلك العمل وإن كثر، فكذلك لا يلحق الإيمان عدداً، ولا يجعل الدين أدياناً، والله أعلم.
وأما جواز أن يقال لمن انتقل من صلاة إلى صلاة، أو من حج إلى عمرة، فلا يلزمنا أن نقوله.
لأنا قد بينا أن الدين واحد وإن كثر.
والطاعات لا تنحه علينا مع ذلك هذا الكلام.
وأيضاً فإن الناس كانوا يقبلون فرض صيام الليل وفرض الصدقة عند التخوف وفرض النيات من الواحد للعشرة، فكان يقبل ذلك إيماناً منهم، فلما نسخ ووضع عنهم سقط ذلك الثقيل، وخرجوا منه إلى اعتقاد أن شيئاً من ذلك لا يلزم، فكان هذا الاعتقاد هو الإيمان.