وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً إلى الجهاد إذا كان الجهاد فرض كفاية، لما يترتب على ذلك من تعطيل مصالح، وخاصة مصلحة طلب العلم الشرعي. فَلَوْلا أي فهلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ أي من كل جماعة كثيرة، جماعة قليلة منهم لطلب العلم الشرعي لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ أي ليتكلفوا الفقاهة في الدين، ويتجشموا المشاق في تحصيلها وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ أي ليجعلوا مرمى همتهم في الفقه إنذار قومهم، وإرشادهم إذا رجعوا إليهم، دون الأغراض الخسيسة من التصدر والترؤس والتشبه بالظلمة في المراكب والملابس. لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ أي ما يجب اجتنابه، ويمكن أن تفهم الآية فهوما أخرى، قال به مفسرون، وأيا كان فهم الآية فإن مجيئها في هذا السياق يدل على أن الفقه في دين الله والجهاد متلازمان؛ إذ لا يمكن أن يقوم جهاد حقيقي بلا فقه، ومن ثم فإننا نرى جيشا كالجيش الانكشاري بدأ متدينا وكيف آل أمره عند ما انفصل فيه الجهاد عن الفقه.
الفوائد:
1 -استدل النسفي بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ، وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ على أن الإجماع حجة، لأنه أمر بالكون مع الصادقين، فلزم قبول قولهم.
واستدل ابن مسعود بهذه الآية بأن الكذب لا يصلح في جد ولا هزل. وقال الحسن البصري في الآية: إن أردت أن تكون مع الصادقين فعليك بالزهد في الدنيا، والكف عن أهل الملة.
2 -بمناسبة قوله تعالى: وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. ذكر ابن كثير ما أنفقه عثمان يوم العسرة، فذكر هاتين الروايتين: