حكى الشيخ أبو عمر الطلمنكي عن يحيى بن يحيى قال: «اجتمع عند مالك بن أنس بالمدينة من كان بها من أهل الفقه، وغير أهل الفقه، ومن غير أهل المدينة، من أهل الأمصار وكان عنده طلاب لهذا الأمر في مرضه الذي مات فيه، وأنا فيهم، فدخلنا عليه ونحن مائة وثلاثون رجلا، فسلمنا عليه، ومشى إليه كل واحد منا يقف عليه، ويريه نفسه، ويسأله عن حاله. فلما فرغنا من فعل ذاك أقبل علينا بوجهه ثم قال: «الحمد لله الذي أضحك وأبكى، والحمد لله الذي أمات وأحيا» ، ثم قال: «أما أنه قد جاء أمر الله، ولا بد من لقاء الله» . فقلنا له: يا أبا عبد الله كيف نجدك؟ قال: «أجدني مستبشرا بصحبتي أولياء الله، وهم أهل العلم، وليس شيء أعز على الله بعد الأنبياء منهم، ومستبشرا بطلبي هذا الأمر لأن كل عمل فرضه الله أو سنه رسوله، فقد بين ثوابه صلى الله عليه وسلم فقال: «من لزم الصلاة، وحافظ عليها فله عند الله كذا وكذا، ومن حج البيت حجة مبرورة فله عند الله كذا وكذا، ومن جاهد في سبيل الله فله كذا وكذا» .
كل هذا قد عرفه من ألهمه الله طلب هذا الأمر، إلا طالب هذا الأمر ومعلمه فلن يبلغ علم عالم أن يعلم ما لطالب هذا الأمر عند الله من الكرامة والثواب والله لأحدثنكم بحديث حدثني به ربيعة ما حدثتكم به إلى وقتي هذا، سمعته يقول: والله الذي لا إله إلا هو لرجل يخطئ في صلاته، فلا يدري كيف يرقعها، فيأتيني مستفتيا، فأفتيه فيها بالعلم، فأحمله على الصواب خير من أن تكون لي الدنيا فأقربها في الآخرة، ولأحدثنكم بحديث ما حدثتكم به قبل وقتي هذا والله الذي لا إله إلا هو لست أقول بابا من العلم، ولكن أقول لكم شيئا من العلم أسمعه من العالم فيتشابه علي بعضه، فأقول في نفسي: قال لي كذا وكذا فأذكره وقد أخذت مضجعي، فأبيت متفكرا فيه حتى أصبح، فإذا أصبحت أتيته وسألته عنه، فلهمّي به خير من مائة حجة مبرورة».
وسمعت ابن شهاب غير مرة يقول: «والله الذي لا إله إلا هو لرجل يأتيني مستفسرا لي عن شيء من دينه، فلا أسرع إليه بالجواب حتى استفسر نفسي ثم أحمله على السنة، أحب إلي من مائة غزوة أغزوها في سبيل الله.
فقلت لكل رجل منهما حين حدثني: هذا لكم فما للطالب؟ فكل قال لي: هيهات انقطع العلم، نسأل الله التوفيق لنا ولكم.
قال يحيى بن يحيى: وهذا آخر حديث سمعته من مالك بن أنس» اهـ.