واستقبال وحي الله يقتضي وجود سامعين ليبلغوه ، فلما انصرف الناس إلى مسألة الجهاد أراد الله أن يعدل هذه الموجة من الرغبة في الجهاد ، فبيّن أن الإسلام مُنزَّل من الله على رسوله ليبلغه للناس ؛ لأن دين الله يحتاج إلى أمرين: أمر يحمله إلى الناس ، وأمر يثبت صدقه في الناس ، وحين يرى الناس إنساناً يضحى بنفسه ويدخل معركة ، وآخر يضحي بماله ، حينئذ يعلم الناس أن من يفعل ذلك لا بد أنه متيقن تمام التيقن من العقيدة التي يبذل في سبيلها الغالي والرخيص .
لكن يبقى أمر آخر ، هو ضرورة وجود من يحملون العلم بالإسلام ، فإذا كان المناضلون المضحّون بالنفس ، والمنفقون المضحّون بالمال هم دليل صدق الإيمان ، فهذا لا يعني الاستغناء عن هؤلاء الذين عليهم أن يسمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يوحي به الله .
إذن: فهناك منهج من الله ، وهناك استقبال لهذا المنهج من رسول الله صلى الله عليه وسلم أولاً ، ومن السامعين لرسول الله ثانياً ؛ ليسيحوا به في البلاد ، سياحة إعلام بدين الله لنشر الإسلام ، وهكذا كانت الإقامة مع رسول الله هي استقبال لذلك الإعلام ، وإلا فماذا يُعْلِمون؟
إذن: فلا بد أن يحافظ الملسمون على أمرين: أمر بقاء الاستقبال من السماء ، وأمر الإعلام بما استقبلوه إلى البلاد . فإن كنتم قد انصرفتم إلى الجهاد في سبيل الله فقد حقّقتم أمراً واحداً ، ولكنكم لم تحققوا الأمر الآخر وهو أن تظلوا ؛ لتستقبلوا من رسول الله .
فأراد الله سبحانه أن يقسم الأمرين بين مجاهدين يجاهدون للإعلام ، وباقين مع رسول الله ليستقبلوا إرسال السماء لهذه الأرض ، فقال: {وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً} .
وساعة تسمع"كَانَ"منفيةً فاعلم أنها جحود لهذه المسألة ، أي: ما كان يصح أن ينفر المسلمون كافة ، أي: جميعاً ، بدون أن يبقى منهم أحد .