فَقَوْلُهُ تَعَالَى: مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ بَيَانٌ لِلْمُرَادِ مِنَ الْمُتَّصِفِينَ بِهَا ، وَالْمُرَادُ بِالْكِتَابِ جِنْسُ الْكِتَابِ الْإِلَهِيِّ الَّذِي يَشْمَلُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَزَبُورَ دَاوُدَ وَغَيْرَهَا ، وَلَكِنْ لُقِّبَ"أَهْلُ الْكِتَابِ"وَ"الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ"وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ عَامًّا خُصَّ بِهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ; لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ كَانُوا مُخَالِطِينَ وَمُجَاوِرِينَ لِلْأُمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ وَمَعْرُوفِينَ عِنْدَهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى مُخَاطِبًا لِمُشْرِكِي الْعَرَبِ: أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (6: 156) وَفِي نُصُوصِ الْقُرْآنِ الصَّرِيحَةِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى:
أَرْسَلَ رُسُلًا فِي جَمِيعِ الْأُمَمِ يَأْمُرُونَهُمْ بِعِبَادَتِهِ تَعَالَى وَحْدَهُ ، وَبِاجْتِنَابِ الطَّاغُوتِ ، وَيُنْذِرُونَهُمْ يَوْمَ الْجَزَاءِ ، وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَصَّهُ عَلَى خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ فِي كِتَابِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَقْصُصْ عَلَيْهِ ، وَمِنَ الْمَعْقُولِ أَنْ يَكُونَ أُولُو الْحَضَارَةِ مِنْهُمْ كَالصِّينِيِّينَ وَالْهُنُودِ وَالْفُرْسِ وَالْمِصْرِيِّينَ وَالْيُونَانِ قَدْ كَتَبُوا كُلُّهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ مَا أُوحِيَ إِلَى رُسُلِهِمْ فَضَاعَ بِطُولِ الْأَمَدِ أَوْ خُلِطَ بِغَيْرِهِ وَلَمْ يَعُدْ أَصْلُهُ مَعْرُوفًا ، وَإِذَا كَانَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى قَدْ كَانَ مِنْ أُمِّ كُتُبِهِمْ