وصوناً لمال الذمي فإن الشريعة لا تفرق بينه وبين مال المسلم ، وتحوطه بقطع اليد الممتدة إليه ، ولو كانت يد مسلم ، يقول المفسر القرطبيُّ:"الذمي محقون الدم على التأبيد والمسلم كذلك ، وكلاهما قد صار من أهل دار الإسلام ، والذي يحقِق ذلك أنّ المسلم يقطع بسرقة مال الذمي ، وهذا يدل على أنّ مال الذمي قد ساوى مال المسلم ، فدل على مساواته لدمه ، إذ المال إنّما يحرم بحرمة مالكه". (30)
قال الماورديّ:"ويلتزم - أي الإمام - لهم ببذل حقَّين: أحدهما: الكفُّ عنهم. والثانِي: الحماية لهم ، ليكونوا بالكفِّ آمنين ، وبالحماية محروسين". (31)
وقال النوويّ:"ويلزمنا الكفُّ عنهم ، وضمان ما نُتلفه عليهم ، نفسًا ومالاً ، ودفعُ أهلِ الحرب عنهم". (32)
وتوالى تأكيد الفقهاء المسلمين على ذلك ، يقول ابن النجار الحنبلي:"يجب على الإمام حفظ أهل الذمة ومنع من يؤذيهم وفكُّ أسرهم ودفع من قصدهم بأذى". (33)
ولما أغار أمير التتار قطلوشاه على دمشق في أوائل القرن الثامن الهجري ، وأسر من المسلمين والذميين من النصارى واليهود عدداً ، ذهب إليه الإمام ابن تيمية ومعه جمع من العلماء ، وطلبوا فك أسر الأسرى ، فسمح له بالمسلمين ، ولم يطلق الأسرى الذميين ، فقال له شيخ الإسلام:"لابد من افتكاك جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا ، ولا ندع لديك أسيراً ، لا من أهل الملة ، ولا من أهل الذمة ، فإن لهم ما لنا ، وعليهم ما علينا"، فأطلقهم الأمير التتري جميعاً. (34)
وينقل الإمام القرافي عن الإمام ابن حزم إجماعاً للمسلمين لا تجد له نظيراً عند أمة من الأمم ، فيقول:"من كان في الذمة ، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه ، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح ، ونموت دون ذلك ، صوناً لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة". (35)
(27) قوانين الأحكام الشرعية (176) .
(28) اختلاف الفقهاء (233) .