إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ أي الملائكة لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ أي لا يتعظمون عنها وَيُسَبِّحُونَهُ أي وينزهونه عما لا يليق به وَلَهُ يَسْجُدُونَ أي ويختصونه بالعبادة لا يشركون به غيره.
نقول:
1 -بمناسبة قوله تعالى هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
قال صاحب الظلال:
«إنه هذا القرآن .. بصائر تهدي، ورحمة تفيض .. لمن يؤمن به، ويغتنم هذا الخير العميم .. إنه هذا القرآن الذي كان الجاهلون من العرب - في جاهليتهم - يعرضون عنه، ويطلبون خارقة من الخوارق المادية مثل التي جرت على أيدي الرسل من قبل، في طفولة البشرية، وفي الرسالات المحلية غير العالمية والتي لا تصلح إلا لزمانها ومكانها، ولا تواجه إلا الذين يشاهدونها، فكيف بمن بعدهم من الأجيال، وكيف بمن وراءهم من الأقوام الذين لم يروا هذه الخارقة.
إنه هذا القرآن الذي لا تبلغ خارقة مادية من الإعجاز ما يبلغه .. من أي جانب من الجوانب شاء الناس المعجزة في أي زمان وفي أي مكان .. لا يستثنى من ذلك من كان من الناس ومن يكون إلى آخر الزمان.
فهذا جانبه التعبيري .. ولعله كان بالقياس إلى العرب في جاهليتهم أظهر جوانبه - بالنسبة لما كانوا يحفلون به من الأداء البياني، ويتفاخرون به في أسواقهم! - ها هو ذا كان وما يزال إلى اليوم معجزا لا يتطاول إليه أحد من البشر. تحداهم الله به وما يزال هذا التحدي قائما. والذين يزاولون فن التعبير من البشر، ويدركون مدى الطاقة البشرية فيه، هم أعرف الناس بأن هذا الأداء القرآني معجز معجز .. سواء كانوا يؤمنون بهذا الدين عقيدة أو لا يؤمنون .. فالتحدي في هذا الجانب قائم على أسس
موضوعية يستوي أمامها المؤمنون والجاحدون .. وكما كان كبراء قريش يجدون من هذا القرآن - في جاهليتهم - ما لا قبل لهم بدفعه عن أنفسهم. وهم جاحدون كارهون - كذلك يجد اليوم وغدا كل جاهلي جاحد كاره ما وجد الجاهليون الأولون.