قالوا: لأن وازع المقر طبعى ، ووازع الشهود شرعى ، والوازع الطبعى أقوى من الوازع الشرعى ، ولذلك يقبل الإقرار من المسلم ، والكافر ، والبر ، والفاجر: لقيام الوازع الطبعى. ولما كان الوازع عن الكذب على نفسه مخصوصا بالمقر كان إقراره حجة قاصرة عليه وعلى من يتلقى عنه ، لكونه فرعه.
ولما كان الوازع الشرعى عاماً بالنسبة إلى جميع الناس ، كان حجة عامة: فإن خوف
الله يزع الشاهد عن الكذب فِي حق كل أحد. فكان قوله حجة عامة لكل أحد. ولما كان وازع الكذب مختصاً بالمقر قصر عليه ، فهو خاص قوى ، والشهادة عامة ضعيفة بالنسبة إلى الإقرار ، قوية بالنسبة إلى الأيدى وإلى ما ذكرناه من الدلالات.
ومعلوم أن الظنون لا تقع إلا بأسباب تثيرها وتحركها. فمن أسبابها: الاستصحاب واطراد العادة ، أو كثرة وقوعها ، أو قول الشاهد ، أو شاهد الحال. ولا يقع فِي الظنون تعارض ، وإنما يقع فِي أسبابها وعلاماتها. فإذا تعارضت أسباب الظنون ، فإن حصل الشك لم يحكم بشيء ، وإن وجد الظن فِي أحد الطرفين ، حكم به ، والحكم للراجح. لأن مرجوحية مقابله تدل على ضعفه.
فإذا تعارض سببا ظن - وكان كل واحد منهما مكذباً للآخر - تساقطاً: كتعارض البينتين والأمارتين ، وإن لم يكن كل واحد منهما مكذباً للآخر عمل بهما ، على حسب الإمكان ، كدابة عليها راكبان ، وعبد ممسك بيديه اثنان ، ودار فيها ساكنان ، وخشبة لها حاملان ، وجدار متصل بملكين ، ونظائر هذا.
فإن كان أحدهما أرجح من الآخر ، عمل بالراجح ، كالشاهد مع البراءة الأصلية ، ومع اليد ، يقدم عليهما ، لرجحانه.