وكذلك من استحل الخمر باسم النبيذ كما فِي حديث أبى مالك الأشعرى رضي الله عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه قال:"ليشربنّ ناس من أمتى الخمر ، يسمونها بغير اسمها ، يعزف على رؤوسهم بالمعازف والقينات ، يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير".
وإنما أتى هؤلاء من حيث استحلوا المحرمات بما ظنوه من انتفاء الاسم ، ولم يلتفتوا إلى وجود المعنى المحرم وثبوته ، وهذا بعينه هو شبهة اليهود فِي استحلال بيع الشحم بعد جمله ، واستحلال أخذ الحيتان يوم الأحد بما أو أوقعوها به يوم السبت فِي
الحفائر والشباك من فعلهم يوم الجمعة ، وقالوا: ليس هذا صيد يوم السبت ، ولا استباحة لنفس الشحم بل الذي
يستحل الشراب المسكر ، زاعما أنه ليس خمراً مع علمه أن معناه معنى الخمر ومقصوده مقصوده وعمله عمله أفسد تأويلا. فإن الخمر اسم لكل شراب مسكر كما دلت عليه النصوص الصحيحة الصريحة ، وقد جاء هذا الحديث عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من وجوه أخرى.
منها: ما رواه النسائى عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:"يشرب ناس من أمتى الخمر يسمونها بغير اسمها"وإسناده صحيح.
ومنها: ما رواه ابن ماجه عن عبادة بن الصامت يرفعه:"يشرب ناس من أمتى الخمر يسمونها بغير اسمها"ورواه الإمام أحمد ، ولفظه:"ليستحلنّ طائفة من أمتى الخمر".
ومنها: ما رواه ابن ماجه أيضاً من حديث أبى أمامة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:"لا تذهب الليالى والأيام حتى تشرب طائفة من أمتى الخمر يسمونها بغير اسمها".
فهؤلاء إنما شربوا الخمر استحلالاً لما ظنوا أن المحرم مجرد ما وقع عليه اللفظ ، وأن ذلك اللفظ لا يتناول ما استحلوه. وكذلك شبهتهم فِي استحلال الحرير والمعازف ، فإن الحرير أبيح للنساء وأبيح للضرورة ، وفى الحرب. وقد قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الّتِى أخْرَجَ لِعبَادِهِ} [الأعراف: 32] .