إن دلالة «السنة» على القحط، وصيرورتها من الأسماء الغالبة كالدّابة والنّجم، إنما جاءت في الأصل من الوصف أو الإضافة، كأن يقال: سنة شديدة أو سنة قحط، ثم جرّدت من الوصف أو الإضافة للعلم بها وشيوعها، فصارت «سنة» ، وقد يشير إلى صحة هذا التعليل ما يقال لدى العامة من أن «السنة سنة» ، يريدون بها سنة شديدة تأخذ بخناقهم.
قال، وقد اشتقوا منها: أسنت القوم بمعنى أقحطوا وقد كنا أشرنا إلى هذا.
قلت: ومن ذلك قول ابن الزّبعرى:
عمرو العلا هشم الثريد لقومه ورجال مكّة مسنتون عجاف ولنسرّح الطرف في سعة هذه المفردة الغنية، فماذا فيها؟:
قالوا: أسنى القوم إذا أقاموا سنة في موضع.
ويقال: تسنّت فلان كريمة آل فلان، إذا تزوّجها في سنة القحط.
وجاء في «الصحاح» : يقال تسنّتها إذا تزوّج رجل لئيم امرأة كريمة لقلّة مالها، وكثرة ماله.
والسّنتة والمسنتة: الأرض التي لم يصبها مطر فلم تنبت.
قال أبو حنيفة: فإن كان بها يبيس من يبيس عام أوّل، فليست بمسنتة ولا تكون مسنتة حتى لا يكون بها شيء .
وعام سنيت ومسنت: جدب.
وسانتوا الأرض: تتبّعوا نباتها.
أقول: وإذا كانت العربية قد أفادت من التاء في «السنة» فولدت هذه الفوائد الكثيرة، فقد أفادت من «الهاء» ،
وهي نظيرة التاء، وكلاهما علامة تأنيث فولّدت فوائد أخرى هي هذه:
قالوا: سنهت النخلة وتسنّهت إذا أتى عليها السّنون.
ولقد ابتعد اللغويون المتقدّمون في النظر إلى المواد الثنائية، مثل شفة وسنة وعضة وغيرها وزعموا أنها ثلاثية حذفت لامها، واللام إما هاء وإما واو على خلاف بينهم، ولذلك قالوا: تسنّهت فجعلوا اللام هاء، وقالوا تسنّيت عنده إذا أقمت عنده سنة، وكأن اللام واو لقولهم في التصغير سنيّة، وفي الجمع سنوات، والذي ذهب إلى الهاء قال: سنيهة في التصغير وسنهات في الجمع.
وعندي، أنّ الفوائد اللغوية التي جاءت فيها الهاء، قامت على اعتبار هاء التأنيث أصلا، كما عدّت التاء أصلا، وهي للتأنيث.
وكما قالوا تسنّهت عنده، قالوا تسنّيت إذا أقمت عنده سنة.
وقالوا: سانهه مسانهة وسناها، أي:
عامله بالسنة أو استأجره لها.
وسانهت النخلة، وهي سنهاء:
حملت سنة ولم تحمل أخرى، قال سويد بن الصامت:
فليست بسنهاء ولا رجّبيّة ... ولكن عرايا في السنين الجوائح
والسّنهاء: التي أصابتها السنة المجدبة، وقد تكون النخلة التي حملت عاما ولم تحمل آخر، وقد تكون التي أصابها الجدب، وأضرّ بها فنفى ذلك عنها.