{ذلِكُمْ} الاتباع للصراط المستقيم {وَصَّاكُمْ بِهِ} ؛ أي: أمركم ربكم في الكتاب {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ؛ أي: لكي تتقوا وتجتنبوا الطرق المختلفة والسبل المضلة. والتقوى: اسم لكل ما يتقى به من الضرر العام والخاص مهما يكن نوعه، وقد ذكرت في القرآن في سياق الأوامر والنواهي المختلفة من عبادات ومعاملات وآداب وعشرة وزواج، وتفسر في كل موضع بما يناسبه. والمعنى: ذلكم الاتباع لصراط الحق المستقيم، والاجتناب عن سبل الضلالات والأباطيل وصاكم ربكم به؛ ليهيئكم لاتقاء كل ما يشقي ويردي في الدنيا والآخرة، ويوصلكم إلى السعادة العظمى والحياة الصالحة.
وقال الرازي: ختمت الآية الأولى بقوله: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} والثانية بقوله: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} لأن القوم كانوا مستمرين على الشرك، وقتل الأولاد، وقربان الزنا، وقتل النفس المحرمة بغير حق غير مستنكفين ولا عاقلين قبحها، فنهاهم سبحانه لعلهم يعقلون قبحها فيستنكفوا عنها ويتركوها، وأما حفظ أموال اليتامى عليهم، وإيفاء الكيل والميزان، والعدل في القول، والوفاء بالعهد؛ فكانوا يفعلونه ويفتخرون بالاتصاف به، فأمرهم الله تعالى بذلك لعلهم يذكرون إن عرض لهم نسيان.
وقال أبو حيان ولما كان الصراط المستقيم هو الجامع للتكاليف، وقد مر سبحانه باتباعه ونهى عن اتباع غيره من الطرق. ختم الآية الثالثة بالتقوى لتي هي اتقاء النار؛ إذ من اتبع صراطه نجا النجاة الأبدية، وحصل على السعادة السرمدية.
فصل
وقد وردت أحاديث كثيرة بشأن هذه الوصايا نقلها الحفاظ الثقات:
منها: ما أخرجه الترمذي وحسنه، وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن مسعود قال: من سره أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه .. فليقرأ هؤلاء الآيات: {قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} إلى قوله: {تَتَّقُونَ} .