ومنها: ما أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث؟» ثم تلا: « {قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} إلى ثلاث آيات ثم قال: «فمن وفى بهن فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله، إن شاء أخذه وإن شاء عفا عنه» .
ومنها: ما أخرجه عبد بن حميد وأبو عبيد وابن المنذر عن منذر الثوري قال: قال الربيع بن خيثم: أيسرك أن تلقى صحيفة من محمد صلى الله عليه وسلم بخاتمه؟ قلت: نعم، فقرأ هؤلاء الآيات من آخر سورة الأنعام: {قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ...} إلى آخر الآيات.
154 -و {ثُمَّ} في قوله: {ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ للترتيب} الذكري؛ أي: للترتيب في الذكر والإخبار، لا في الزمان؛ لأن إيتاء موسى الكتاب كان قبل نزول القرآن، والمعنى: ثم بعد ما أخبرتكم الوصايا المتقدمة .. أخبركم بأنا أعطينا موسى التوراة، أو يقال: إن {ثُمَّ} هنا بمعنى الواو الاستئنافية؛ أي: وأعطينا موسى التوراة {تَمامًا} ؛ أي: لأجل إتمام نعمتنا وكرامتنا {عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ} وآمن بها من بني إسرائيل وأحسن العمل بأحكامها، يدل على هذا المعنى قراءة عبد الله: على الذين أحسنوا. وقرأ يحيى بن يعمر بالرفع، وخرج على حذف المبتدأ؛ أي: على الذي هو أحسن دينا، كقراءة من قرأ {مثلا ما بعوضة} - بالرفع - {وَتَفْصِيلًا} وبيانا لهم لكل شيء يحتاج إليه في الدين، فيدخل في ذلك بيان نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ودينه {وَهُدىً} ؛ أي: وهداية لهم من الضلالة {وَرَحْمَةً} ؛ أي: أمانا لهم من العذاب بإنزالها لمن آمن بها {لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} ؛ أي: آتيناه الكتاب جامعا لكل ما ذكر من الصفات لكي يؤمنون ويصدقون بلقاء ربهم بالبعث من القبور، ويفوزون بالإيمان بها السعادة الأبدية في دار الكرامة السرمدية التي أعدها الله سبحانه وتعالى لمن آمن بوحيه وتمسك بشريعته.