وإنما جعل الصراط المستقيم واحدا، والسبل المخالفة متعددة؛ لأن الحق واحد، والباطل وهو ما خالفه كثير، فيشمل الأديان الباطلة سواء أكانت وضعية أو سماوية، محرفة أو منسوخة. ونهى عن التفرق في صراط الحق، وسبيله؛ لأن التفرق في الدين الواحد، وجعله مذاهب يتشيع لكل منها شيعة وحزب ينصرونه، ويتعصبون له ويخطّئون من خالفه، ويرمون أتباعه بالجهل والضلال سبب لإضاعته؛ إذ كل شيعة تنظر فيما يؤيد مذهبها ويظهرها على مخالفيه، ولا يهمها إثبات الحق وفهم النصوص، والحق لا يكون وقفا على عالم معين، ولا على أتباعه، بل كل باحث يخطئ ويصيب، وذلك ما دل عليه العقل، وأثبته الكتاب والسنة والإجماع. ولما كان اتباع الصراط المستقيم وعدم التفرق فيه يجمع الكلمة ويعز أهل الحق .. كان التفرق فيه سبب ضعف المتفرقين وذلهم وضياع حقهم.
روى ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنه إنما أهلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات.
وقرأ حمزة والكسائي: {وإن هذا} - بكسر الهمزة على الاستئناف - والتقدير: وإن الذي ذكر في هذه الآيات صِراطِي {فَاتَّبِعُوهُ} جملة معطوفة على الجملة المستأنفة. وقرأ ابن عامر ويعقوب وعبد الله بن أبي إسحاق بالفتح والتخفيف على أنها مخففة، واسمها ضمير الشأن. وقرأ الباقون بالفتح مشددة بتقدير اللام على أنه علة مقدمة لقوله: {فَاتَّبِعُوهُ} . وقرأ ابن عامر: {صراطي} - بفتح الياء - . وقرأ الأعمش: {وهذا صراطي} : وفي مصحف عبد الله بن مسعود: {وهذا صراط ربكم} وفي مصحف أبي: {وهذا صراط ربك} .