والتذكر يطلق حينا على تكلف ذكر الشيء في القلب أو التدرج فيه بفعله المرة إثر الأخرى، وحينا على الاتعاظ والتدبر كما قال تعالى: {وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ} وقال: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (10) } .
والخلاصة: أن ذلك الذي تلوته عليكم من الأوامر والنواهي وصاكم الله به رجاء أن يذكره بعضكم لبعض في التعليم والتواصي الذي أمر الله به في مثل قوله: {وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ} لما فيه من مصالح ومنافع كتدارك النسيان والغفلة من كثرة الشواغل الدنيوية، أو رجاء أن يتعظ به من سمعه أو قرأه.
ولما كانت التكاليف الخمسة المذكورة في الآية الأولى أمورا ظاهرة يجب تعقلها وتفهمها .. ختمت بقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} ولما كانت التكاليف الأربعة المذكورة في الآية الأخيرة أمورا غامضة لا بد فيها من الاجتهاد في الفكر حتى يقف على موضع الاعتدال .. ختمت بقوله: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} . وجملة ما ذكر في هاتين الآيتين من المحرمات تسعة أشياء: خمسة بصيغ النهي، وأربعة بصيغ الأمر، وتؤول الأوامر بالنهي؛ لأجل التناسب، وهذه الأحكام لا تختلف باختلاف الأمم والأعصار.
وقرأ حفص وحمزة والكسائي: {تذكّرون} حيث وقع بتخفيف الذال حذف التاء؛ إذ أصله: تتذكرون، وفي المحذوف خلاف، أهي تاء المضارعة أو تاء تفعل؟ وقرأ باقي السبعة: {تذّكرون} - بتشديد الذال - أدغم تاء تفعّل في الذال.
153 -والعاشر: ما ذكره بقوله: {وَأَنَّ هذا} الذي وصيتكم به وأمرتكم به في هاتين الآيتين هو. {صِراطِي} ؛ أي: طريقي وديني الذي ارتضيته لعبادي حالة كونه {مُسْتَقِيمًا} ؛ أي: قويما مستويا لا اعوجاج فيه {فَاتَّبِعُوهُ} ؛ أي: فاسلكوه واعملوا بمقتضاه من تحريم وتحليل، وأمر ونهي وإباحة {وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} ؛ أي: ولا تسلكوا الطرق المختلفة، والأهواء المضلة، والبدع الرديئة. وقيل: السبل المختلفة مثل اليهودية والنصرانية وسائر الملل والأديان المخالفة لدين الإسلام {فَتَفَرَّقَ بِكُمْ} ؛ أي: فتميل بكم هذه الطرق المختلفة المضلة {عَنْ سَبِيلِهِ} ؛ أي: عن دينه وطريقه الذي ارتضاه لعباده.