يدل عَلَى عدم كون الإيمان الخالي عن العمل معتبرًا مُطْلَقًا سواء كان قبل ظهور أشراط
الساعة، أو في ذلك الحين مستندًا بأنه يجوز (تَخْصيص هذا الحكم بذلك اليوم)
بهذا الوقت
بأن يحمل تقديم الظَّرْف أي يوم يأتي الخ. عَلَى عامله وهو لا ينفع للتَّخْصِيص لأنه لازم
للتقديم غالبًا ولإفادة هذه النُّكْتَة الرشيقة لم يكتف بقوله أولًا:(يوم يأتي بعض آيات
ربك)إذ يكفي أن يقال ظاهرًا فلا ينفع نفسًا حِينَئِذٍ إيمانها لم تكن آمنت
ولما لم يكتف وأتى بالظَّرْف الْمَذْكُور مكررًا مقدمًا استفيد منه التَّخْصِيص، فكما لا ينفع
إيمان حادث في ذلك اليوم فكَذَلكَ لا ينفع إيمان قديم مقدم عَلَى ذلك الحين خاليًا عن
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
من قبل إيمانًا مجردًا، أو آمنت إيمانًا مقرونًا بالعمل أي ينفع نفسًا إيمانها الذي كانت تقدمه وإن كان
مجردًا عن العمل فَكَيْفَ إذا كان مقرونًا به فلما رجع النفي في (لا ينفع) إلَى القيد كان الْمَعْنَى لا
ينفع نفسًا خلا عنها إيمانها وهو المطلوب، وقد قيل في تقدير معنى قوله وحمل الترديد عَلَى
اشتراط النفع بأحد الأمرين أن قوله (أو كسبت) عطف عَلَى (آمنت) بكلمة (أو) وهي لأحد الأمرين
فيكون (لم [تكن] ) نفيًا لأحد الأمرين، ونفي أحد الأمرين إنما يكون لشمول العدم فعدم نفع الإيمان
إنما يكون بمجموع النفيين نفي تقدم العمل الصالح فيكون الإيمان المجرد نافعًا بتقدمه وإن لم
يتقدم العمل الصالح، عَلَى أن الزَّمَخْشَريّ جعل كلمة (أو) في قَوْله تَعَالَى:(وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ
كَفُورًا)لشمول العدم فلم يجوز أن يكون في هذه الآية كَذَلكَ، وأَيْضًا ثبت عن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ مَاتَ [عَلَى ذَلِكَ] إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ"وهو مصرح بأن مجرد
الإيمان نافع فلو حملنا الآية عَلَى عدم نفعه لتناقض الآية والْحَديث. وقد أجابوا عن هذا بأن قَالُوا:
كلمة (أو) إذا وقعت في سياق النفي تحتمل معنيين. أحدهما: نفي أحد الأمرين. والآخر أحد النفيين
وذلك لأن النفي لا يتصور إلا بعد تصور الْإثْبَات، فإذا قيل: ما جاءني زيد وعمرو فقد تصور مجيء
أحدهما، ثم يرفع فيكون نفيًا لمجيء أحدهما، ولا يكون ذلك إلا بعدم مجيئهما وربما يتصور مجيء
زيد وينفى، ثم يعطف عليه عمرو فينسحب النفي عليه أَيْضًا، فيكون الْمَعْنَى أحد النفيين، ولما احتملت
كلمة (أو) المعنيين فحملها عَلَى أحدهما يكون بحسب مقتضى المقام؛ إذ ثبت هذا فنقول قَوْلُه تَعَالَى
(وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) لا بد أن يحمل عَلَى لا تطع أحدهما لأن طاعة
الكفور منهية كما أن طاعة الآئم منهية، وأما الآية التي نحن بصددها فلا يجوز أن يكون الْمُرَاد فيها
نفي أحد الأمرين وإلا لكان عدم نفع الإيمان مقيدًا بمجموع النفيين نفي تقدم الإيمان ونفي تقدم
العمل الصالح فيلزم أن يكون النفي الثاني مستدركًا لا حاجة إليه لأنه إذا انتفى تقدم الإيمان انتفى
تقدم العمل الصالح، وإلا لجاز تقدم العمل الصالح بدون تقدم الإيمان ليلزم وجود العمل الصالح
بدون الإيمان وهو محال، وإذا استلزم نفي تقدم الإيمان نفي تقدم العمل الصالح يكون التقييد بنفي
الإيمان كافيًا ولا حاجة إلَى تَقْييده باللازم فلما لم يكن حمل كلمة (أو) هَاهُنَا عَلَى نفي أحد الأمرين
تعين حملها عَلَى أحد النفيين. وأقول يمكن أن يجاب عن جوابهم هذا بأن نقول: الْمُرَاد نفي أحد
الأمرين اللذين هما الإيمان لمجرد عن العمل والإيمان المقرون بالعمل فالْمُرَاد نفي الإيمان
المجرد عن العمل ونفي المقرون بالعمل فعدم نفع الإيمان مقيد بنفي أحد هذين الأمرين ونفعه
مشروط بأحدهما فمعنى الآية لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل إيمانًا مجردًا أو لم تكن
آمنت إيمانا مقرونًا بالعمل، فيستفاد من الآية أن الإيمان المجرد عن العمل نافع وهذا هُوَ عين
مذهب الأمة الناجية في بحث الإيمان.