ثم ذكرَ حكمَهُ ، فقالَ: (لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) .
وفي الحديثِ الصحيح عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -:
"حُفَّتِ الجنةُ بالمكارِهِ وحفَّتِ النارُ بالشهواتِ".
وفي روايةٍ:"حُجبتْ"بدل:"حُفَّتْ".
فاللَّهُ سبحانَهُ امتحنَ عبادَهُ فِي هذهِ الدارِ بهذِهِ المحرَّماتِ من الشهواتِ
والشبهاتِ ، وجعلَ فِي النَّفْسِ داعِيًا إلى حبِّها مع تمكِّنِ العبدِ منهَا وقُدرتِهِ
فمن أدَّى الأمانةَ ، وحفظَ حدودَ اللَّهِ ومنعَ نفسَهُ ما يُحبُّه من محارمِ اللَّهِ
كانَ عاقبتَهُ الجنةُ ؛ كما قال تعالَى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى(40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) .
فلذلك يحتاجُ العبدُ فِي هذهِ الدارِ إلى مُجاهدةٍ عظيمةٍ ، يُجاهدُ نفسَهُ فِي الله - عزَّ وجلَّ - كما فِي الحديثِ:
"المجاهدُ مَنْ جاهَدَ نفسَهُ فِي اللَّه - عزَّ وجلَّ"
فمنْ كانتْ نفسُه شريفةً ، وهمَّتُهُ عالية لم يرض لَهَا بالمعاصِي ، فإنها خيانة
ولا يَرْضَى بالخيانة إلا مَن لا نفسَ لهُ.
قال بعضُ السلفِ: رأيتُ المعاصِي نذالة ، فتركتُها مروَّةً فاستحالتْ ديانةً.
وقالَ آخرُ منهُم: تركتُ الذنوبَ حياءً أربعينَ سنةً ، ثم أدركنِي الورعُ.
وقالَ آخرُ: مَنْ عمِلَ فِي السرِّ عملاً يستحيي منهُ إذا ظَهَرَ عليه ، فليسَ
لنفسِهِ عندَهُ قدر.
قالَ بعضُهُم: ما أكرمَ العبادُ أنفسَهُم بمثلِ طاعةِ اللَّهِ ، ولا أهانوها بمثلِ
معاصِي اللَّه عزَ وجلَّ. فمنِ ارتكبَ المحارمَ فقد أهانَ نفسَهُ.
وفي المَثَلِ المضروبِ: أنًّ الكلبَ قالَ للأسدِ: يا سيدَ السباع ، غيَر اسمِي فإنَّه قبيح.
فقال لهُ: أنتَ خائنٌ ، لا يصلحُ لكَ غيرَ هذا الاسمِ.