والمدح: أكثر ما يقال فِي الأشياء النافعة التي لم تبلغ الغاية ، كالثروة والجلادة ، والجود ، والحمد يقال فِي ذلك ، وفيما فوقه ، فيقال: الجود محمود.
والله تعالى محمود.
وقل ما يقال: الله ممدوح.
ودخول الألف واللام فِي"الحمد"للجنس ، تنبيهاً أن الحمد كله فِي الحقيقة لا يستحق سواه ، وإن كل حمد لغيره فهو عارية له.
والله تعالى هو المستحق له فِي الحقيقة ، إذ هو سبب كل نعمة وخير ، ولذلك قال تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} ،
إن قيل: لِمَ لَمْ يَقُلْ: الحمد لي ؟ قيل: لأن ذلك تعليم منه لعباده ، كأنه قال:
قولوا: بسم الله ، الحمد لله ، بدلالة قوله: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى}
وقيل: إن ذلك كقول الرجل لابنه: الْحَمْدُ فِي كذا لأبيك ، فيأتي بلفظ الغائب ليكون أبلغ.
وقيل: إن"قل"غير مقدر فِي هذا الموضع ، لأن الله حمد نفسه ليقتدي به ، فِي حمده ، بدلالة ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:"ليس شيء أحب إلى الله من الحمد ، أثنى على نفسه فقال:"الحمد لله"، ولأن أرفع حمد ما كان من أرفع حامد وأعرفهم بالمحمود وأقدرهم على إيفاء حقه فِي الحمد ، وما حامد أرفع منه وأعرف بذاته وأقدر على حمده منه تعالى ، كما لا محمود أرفع منه وأعلى ، وقال بعضهم: كل ثناء أثنى الله على نفسه ، فهو فِي الحقيقة إظهاره بفعله."
فحمده لنفسه: هو بث آلائه ، وإظهار نعمائه بمحكمات أفعاله المقتضية لحمده.
فكأن قوله:"الحمد لله"- تقديره: الحمد لله ظاهر بآلائه ، وعلى ذلك قوله: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُو} ، فإن شهادته لنفسه إيجاده الأشياء دالة على وحدانيته ناطقة بالشهادة له.
وعلى هذا قال ذو النون: لما شهد الله لنفسه ، أنطق كل شيء بشهادته:
فَفيِ كُلَّ شَيَءٍ لهُ شَاهِدً ...
يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ