ومعنى ذلك أن الله تعالى لما جعل بين نفسه وبين عباده سبباً ، فهو كما أنه كتب على نفسه الرحمة لعباده ، وأوجب عليهم من مقابلتها شكر نعمته لما كان هو السبب الأول فِي وجودهم وخلق قواهم وقدرهم وسائر خيراتهم ، كذا أيضاً (جعل) بين ذوي اللُّحْمَةِ بعضهم مع بعض سبباً أوجب به على الأعلى التوقر على الأدون ، وعلى الأدون توقير الأعلى ، فصار بين"الرحم"و"الرحمة"والرحمة مناسبة معنوية ، كما أن بينهما نسبة لفظية ، ولهذا عظم شكر الوالدين ، فقرنه بشكره فِي قوله تعالى: {اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} تنبيهاً أنهما السبب الأخير فِي وجود الولد ، كما أن الله تعالى السبب الأول فِي وجود كل موجود.
قوله - عز وجل -: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} : الآية (2) سورة الفاتحة.
الحمد: هو الثناء بالفضيلة.
والشكر: مقابلة النعمة قولاً وعملاً.
ولما كانت النعمة لا تخرج من كونها فضيلة ، صار الحمد منطوياً على معنى الشكر ، فكل ذكر حمد ، وليس كلُّ حَمْدٍ شكراً.
ولكون الحمد أعم قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما: طالحمد هو الشكر لله والاستخذاء والإقرار بنعمه"، وقال عليه السلام"الُحَمُد رَاْسُ الشُْكِرْ ، ومَاَ شَكَر الله عَبْدَ لَمْ يَحْمَدْهُ"، ولذلك قيل: الحمد لله شكراً ولم يقل: شكرت الله حمداً ، ولكون الشمر بالفعل كما يكون بالقول ، قيل: دابة شكور ، إذا ظهر سمنها بأدنى علف لها ، وقال تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} ."
وأما الفرق بين"الحمد و"المدح": فالحمد أخص ، إذ لا يستحق إلا بالفعل الاختياري ، والمدح قد يستحق بما يكون من قبل الله تعالى ، يقال: فلان ممدوح على جوده ومحمود."
وممدوح على حسنه ، ولا يقال محمود.