والثاني: أن فرضيَّة القراءَة في هذه الآية من حيث الامتنان بالتخفيف علينا والتيسير،
ولو لم يكن فريضة لم يكن علينا في التخفيف منَّةٌ إذًا بالترك.
ثم لا نخير في فاتحة القرآن، والآية التي بها عرفنا الفرضية فيما تخير ما يختار من الأيسر، ثبت أنها رجعت إلى غيرها، وباللَّه التوفيق.
والثاني: أن نبي اللَّه أخبر عن اللَّه: أنه جعل بها في حق الثناء، وهو ما ذكر في خبر القسمة فصارت تقرأ بذلك الحق، فلم يخلص لها حق القراءَة، بل أَلحق بها حق الدعاء والثناءِ، وليس ذلك من فرائض الصلاة، وباللَّه التوفيق.
والثالث: ما رُويَ عنِ عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:"أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أَحْيَا ليلة بقوله: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ) الآية. وبه كان يقوم، وبه كان يركع، وبه يسجد، وبه يقعد". فثبت أنه لا يتعين قراءَتها في الصلاة مع ما أَيَّده الخبر الذي فيه
"أَنِ ارْجِعْ فَصَل فَإِنَّكَ لَم تُصل"؛ إذ قال له وقت التعليم:"اقْرَأْ مَا تيسَّرَ عَلَيكَ"فثبت أَن المفروض ذلك.
وأيضا رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أَنه قال:"لا صَلاةَ إِلا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ".
ثم رُويَ عنه بيان محلها:"إِنَّ كُلَّ صَلاةٍ لَم يُقْرَأْ فيها بِفَاتِحَةِ الكتابِ فهِيَ خِدَاجٌ، نُقْصَان، غَيرُ تَمَام".
والفاسدُ لا يوصف بالنقصان، وإنما الموصوف بمثله ما جاز مع النقصان. وبالله التوفيق.
ثم خص فاتحة القرآن بالتأمين بما سُمِّي بالذي ذكَره خبرُ القسمة.
وغير الفاتحة وإن كان فيه الدعاءُ، فإنه لم يخص بهذا الاسم؛ لذلك لم يجهر به، فالسبيل فيه ما ذكرنا في القسمة، مع ما كان هو أخلص بمعنى الدعاء منها.
ثم السُّنَّة في جميع الدعوات المخافَتةُ.