فمعنى {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} : نذل لك ونخضع بالعبادة لك ونستعين بك على ذلك.
وإنما قدم {نَعْبُدُ} على {نَسْتَعِينُ} وقد علم أن الاستعانة قبل العبادة ، والعمل لا يقوم إلا بعون الله ، لأن العبادة لا سبيل إليها إلا بالمعونة ، والمعان على العبادة لا يكون إلا عابداً . فكل واحد مرتبط بالآخر: لا عمل إلا بمعونة ولا معونة إلا تتبعها عبادة ، فلم يكن أحدهما أولى بالتقديم من الآخر ، وأيضاً فإن الواو لا توجب ترتيباً عند أكثر النحويين.
وأما علة تكرير {إِيَّاكَ} فمن أجل اختلاف الفعلين إذ أحدهما عبادة والآخر
استعانة.
وقيل: كرر للتأكيد كما تقول:"المال بين زيد وعمرو ، بين زيد وبين عمرو"، فتعيد"بين"للتأكيد.
قوله: {نَسْتَعِينُ} .
أصله"نَسْتَعْوِنُ"على وزن"نَسْتَفْعِلُ"من العون . والمصدر منه استعانة ، وأصله استعواناً ، فقلبت حركة الواو على العين ، فلما انفتح ما قبل الواو - وهي فِي نية حركة - انقلبت ألفاً ، فالتقى ألفان ، فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين . فقيل: المحذوفة الثانية لأنها زائدة ، والأولى أصلية . وقيل: بل المحذوفة الأولى لأن الثانية تدل على معنى ولزمته الهاء عوضاً من الألف المحذوفة.
والنون الأولى فِي {نَسْتَعِينُ} يجوز فيها الكسر لغة مشهورة وكذلك التاء والهمزة فِي قولك:"أنْتَ تَسْتَعِين وأنا أسْتَعينُ". وإنما ذلك فِي كل فعل سمي فاعله فيه زوائد أو مما يأتي من الثلاثي على"فَعِلَ ، يَفْعَلُ"بفتح العين فِي المستقبل ،
وكسرها فِي الماضي نحو:"أنت تعلم وأنا أعلم".
معناه ثبتنا ، لأنهم كانوا مهتدين ، وإنما هو رغبة إلى الله أن يثبتنا على ذلك حتى يأتي الموت ونحن عليه.
وقيل: معناه ألهمنا الثبات على الصراط المستقيم ، وهو دين الإسلام ، وهو مروي عن ابن عباس.