موجودات عبده الكلي والجزئي مثقال ذرة في العلو ولا في المنتهى، ولا ما هو
أصغر من ذلك ولا أكبر، فكان مقتضى اسمه"الرحمن"شامل للجملة، ومقتضى
اسمه"الرحيم"عام للمطيعين.
ثم هو تعالى جامع رحمته بهما لعباده المؤمنين في مستقبل الشأن من الدار
الآخرة قوله تعالى: (مَالِكِ يَومِ الدِّينِ) .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"يقول الله: مجدني عبدي".
المجد لا يكون إلا بالملك والسلطان والتمكين وسعة البسطة، مع حسن
الفعال وجزيل العطاء وكرم السيرة، مع شدة البأس على الأعداء، وعظيم الإحسان
إلى الأولياء.
وفي أخرى:"فوَّض إليَّ عبدي"ففي قول العبد: (مَالِكِ يوم الدِّينِ) إقرار
منه بالبعث بعد الموت، وإيمان بالجزاء واليوم الآخر: مع العلم بالجزاء العاجل،
إلى غير ذلك من أحكام الدنيا والآخرة، فينثني هذا التمجيد على حسن الثناء، وهما
على التمجيد والدين متردد إلى معنى الجزاء والطاعة.
فمقتضى اسمه"مالك"في هذا الموضع: إنه مالك بالطاعة المطيعين، وأمانة
الأمينين، وخلاف المخالفين، وجزائهم من ثواب وعقاب؛ يعطي ما شاء من شاء من
ذلك ويمنع، كما أن ظاهر مقتضى"ملك"أن له الملك كله يومئذٍ ولم يزل كذلك،
لكن في ذلك اليوم (يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ(19) .
وقد جعل اليوم من ذلك لمن شاء ظاهرًا من الأمر ابتلاء واختبارًا، كذلك
ظاهر التمجيد لاسمه"الملك"كما أن التفويض لظاهر مقتضى اسمه"المالك"
لذلك - وهو أعلم بما ينزِّل - يقول:"مجدني عبدي، فوض إليَّ عبدي".
قوله - عز وجل -: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) وهي كلمة مركبة من أربعة أحرف هن
حروف المعرفة: الهمزة والياء والألف والكاف، والهمزة صادرة من ذات المخاطب
إلى الكاف التي هي لمواجهة المخاطب، والياء والألف سبيل إلى ذلك، وعماد له
أشار بها السر المخاطب بالإخلاص للعبادة على حكم التوحيد المحض، والتزام
العبودية والإقرار له بالربوبية المأخوذ عليه من أجلها الميثاق في العهد الأول مع
إخلاص التبرؤ من الحول وبإخلاص الحول والقوة لله - جلَّ جلالُه - ، والتبرؤ من جميع ما