الحديث، فذكر - عز وجل - أنه يذكر عبده عندما حمده، وعندما أثنى عليه، وعندما مجده،
وعندما فوض إليه، وعندما توجه إليه بالعبادة وطلب المعونة.
ثم لما وصل إليه بالمواجهة في الخطاب أعطاه سؤاله وقضى مآربه، فذكره لما
ذكره، وقضى حوائجه، واستجاب له دعاءه لما وصل إليه وسأله، فكفى بهذا
الحديث بيانًا وحجة لصحة قول من قال: إن معنى قوله:(وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ
الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ)إنها الأسماء التي في هذه السورة، وأنها
بعض من كل المثاني التي هي الأسماء والصفات، والذكر لله في جميع القرآن.
إنباؤه إياي، أعني: ونفسي، أخاطب أين يذهب بك أيها اللاعب المتلاهي
والبطال المتغافل؛ أغفلت حظك ولهيت عن فوزك رب العالمين الرحمن الرحيم
ذو العرش العظيم، يذكرك ويثني كلامه العظيم على تلاوتك، ويجعل لك حظًّا من
ذكره العلي في حضرته العليا وقدسه الطاهر، وأنت على ذلك في سهوك وذهول
غفلتك عن الإقبال وصدق التوجه، وترك الشكر على هذه المنة العظيمة (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا
إِلَيْهِ رَاجِعُونَ
وعند اللَّه نحتسب غفلة التخلف (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ
عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) .
(وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) .
(أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ) .
(إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ) .
قوله - جلَّ جلالُه -: (الرَّحْمَن) هو اسم ممنوع من سواه تبارك وتعالى،
خاص له، لا يتسمى به إلا هو، دلائله في السماوات والأرض ظاهرة، وعلاماته
وآلاؤه وشواهده في الوجود والوحي شائعة، خلق الرحمن مائة رحمة، أهبط منها
إلى الأرض واحدة وأمسك عنده التسع والتسعين اسمًا، إلى أن يضيف هذه إلى ما
عنده ويرحم بها عباده المؤمنين.
وقد امتلأ العالم من هذه الرحمة كامتلاء الجو بهوائه والبحر بمائه. العالم كله
مفتقر بعضه إلى بعض، متعاطف بعضه إلى بعض، مواصل بعضه بعضًا، فمن حامل
ومحمول بذلك تماسك الملكوت، وتماشجت الرحموت، ومن نظر إلى بديع