الرَّحْمَةَ) المعنى: فكان هذا من تسبيق أسماء رحمة الله على أسماء
غضبه، اسمه"الله"جلَّ ذكره جامع لجميع الأسماء، وكلها شارحة لمعانيه، معبرة
عنه، ضَمَّن - جلَّ جلالُه - هذا الاسم العالم كله علوه وسفله بما فيه من عجائبه وغرائبه، ثم
قسم الله ما تفصل إليه كما تقدم ذكره: عالم خلق، وعالم أمر، جعل عالم الأمر
الحاكم على عالم الخلق؛ إذ كان يلي اسم الألوهية في المرتبة العليا.
(فصل)
قال الله جل من قائل: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو
الْأَلْبَابِ (29) . فعطف الأمر بالتذكر على معنى التدبر، والتدبر هو لآي القرآن،
والتذكر لآي اللوح المحفوظ، وهو الذي لا ريب فيه؛ إذ نسخته سماء وأرض
وأفلاك، وليل ونهار وشمس وقمر ونجوم، كل ذلك في مطالع ومغارب، ودنيا
وآخرة، وحياة وموت، وأرزاق وأعمال، وآناء مؤقتة، كل ذلك كتب للقلم الأول
العلي لمقادير ذلك كله وآجاله، وكيف ولِمَ وبِم وبجميع توابع ذلك.
قال الله جل ثناؤه: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ
الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12) .
ثم ليعبروا بما علموه في هذه الدار إلى الدار الآخرة فيتذكروا بذلك العلم بالله
والمعرفة، ويوقنوا بالآخرة، وبما فيما هنالك من وجود مرغوب ومرهوب بوعد ما
في هذا القرآن ووعيد، كذلك لا يتم تدبر آي القرآن للمتدبرين حتى يتعرضوا
بنظهم الصائب وبصائرهم الناقدة إلى كل من خلقه الله جلَّ ذكره.
قال الله:(أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ
وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ).
(فصل)
كما فصِّل مجمل اللوح المحفوظ، بإظهار ما أظهره من الموجودات لوحًا بعد
لوح، وعالمًا عالمًا على اختلاف ذلك كله واتفاقه؛ إذ كان المكتوب هو علمه نصًّا