غير ذلك، وكذلك كلمة"الحمد لله رَبِّ العَالَمِينَ"جعلها في أواخر أعمالنا كلها.
وفي الخبر: إن إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - قال لأضيافه الكرام المكرمين - صلوات الله وسلامه
عليهم أجمعين - لما قرب إليهم القرى عجلاً حنيذًا: كلوه بحقه، قالوا له: وما حقه؟
قال: سموا الله إذا بدأتم، واحمدوه إذا فرغتم. قالوا له: لهذا اتخذك الله خليلاً.
وقال - جلَّ جلالُه -: (ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) .
وقال في بدء التنزيل ومفتتح الوحي: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1) خَلَقَ
الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ) وقد تقدم الكلام في ذلك على ما سنأتي به في
موضعه إن شاء الله.
ثم ما من أمرٍ أوجب أن يسمى في بدايته أو ندب إليه إلا جعل كلمة"الْحَمْدُ"
لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"في نهايته."
(فصل)
جاء في الصحيح المأثور أن جبريل ورسول الله - صلوات الله وسلامه عليهما
-كانا قاعدين معًا إذ سمع جبريل نقيضًا في السماء، فنظر فقال: هذا باب من
السماء فتح اليوم لم يفتح قط. فنزل منه ملك، قال: وهذا ملك نزل اليوم إلى
الأرض لم ينزل إليها قط. فلما نزل قال: يا محمد، أبشر بقرآن أوتيته من كنز تحت
العرش لم يُعطه نبي قبلك: سورة"أم القرآن"وخواتم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف
منه إلا أوتيته.
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إن الله - عز وجل - لما استوى على العرش كتب على نفسه كتابًا"
فيه: إن رحمتي سبقت غضبي"."
وفي أخرى:"غلبت"مكان:"سبقت".
وفي أخرى:"تسبق وتغلب"بلفظ المستقبل، وأما تسبيقه هنا كلمة"بِسْمِ اللَّهِ"
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"فما أراه إلا أن الآخر من فعله دليل على أوله، والنهاية آية على"
البداية، وإنه وهو أعلم بحكمه وبما نزله، هو مفتتح اللوح المحفوظ أو ما يكون
معبرًا عنه (كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ) .
(وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ