واعلم أن العلو والعظمة درجتان من درجات الكمال ، إلا أن درجة العظمة أكمل وأقوى من درجة العلو ، وفوقهما درجة الكبرياء قال تعالى:"الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري"، ولا شك أن الرداء أعظم من الإزار ، وفوق جميع هذه الصفات بالرتبة والشرف صفة الجلال ، وهي تقدسه فِي حقيقته المخصوصة وهويته المعينة عن مناسبة شيء من الممكنات ، وهو لتلك الهوية المخصوصة استحق صفة الإلهية ، فلهذا المعنى قال عليه الصلاة والسلام:"ألظوا بياذا الجلال والإكرام"، وقال: {ويبقى وَجْهُ رَبّكَ ذُو الجلال والإكرام}
[الرحمن: 27] وقال: {تبارك اسم رَبّكَ ذِى الجلال والإكرام}
[الرحمن: 78] إذا عرفت هذا الأصل فاعلم أن المصلى إذا قصد الصلاة صار من جملة من قال الله فِي صفتهم: {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}
[الأنعام: 52 ، الكهف: 28] ومن أراد الدخول على السلطان العظيم وجب عليه أن يطهر نفسه من الأدناس والأنجاس ، ولهذا التطهير مراتب: المرتبة الأولى: التطهير من دنس الذنوب بالتوبة ، كما قال تعالى: {يا أَيُّهَا الذين ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحاً}
[التحريم: 8] ومن كان فِي مقام الزهد كانت طهارته من الدنيا حلالها وحرامها ، ومن كان فِي مقام الإخلاص كانت طهارته من الالتفات إلى أعماله ، ومن كان فِي مقام المحسنين كانت طهارته من الالتفات إلى حسناته ، ومن كان فِي مقام الصديقين كانت طهارته من كل ما سوى الله ، وبالجملة فالمقامات كثيرة والدرجات متفاوتة كأنها غير متناهية ، كما قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ الله التي فَطَرَ الناس عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله}
[الروم: 30] فإذا أردت أن تكون من جملة من قال الله فيهم: {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}
فقم قائماً واستحضر فِي نفسك جميع مخلوقات الله تعالى من عالم الأجسام والأرواح وذلك بأن تبتدئ من نفسك وتستحضر فِي عقلك جملة أعضائك البسيطة