(فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ) الفاء هنا للإفصاح عن شرط مقدر، وتقديره إذا كانا يتقدمان لإحقاق الحق فلابد أن يقسما بالله، وهنا إيجاز معجز، إذ يقسمان بالله تعالى على الختل في الأمانة وعلى ما يريان أنه الحق، ثم يقسمان مع ذلك على أمرين أولهما - أن شهادتهما أحق بالقبول من شهادة الآخرين لصدقها، ولظهور الخيانة في قولهم، ولأنه فقدت قوتها لعدم الأمانة، وثانيهما - أن يقسما على أنهما ما اعتديا، بأخذ ما ليس بحقهما، وكان التعبير بنفي الاعتداء؛ لأنهما مطالبان. والمطالب يخشى اعتداؤه؛ لأن كذبه يتضمن اليمين الغموس، ويتضمن الأخذ بغير حق، فيكون اعتداء، ولقد أكد الله سبحانه وتعالى عليهم عدم الاعتداء بأن يقولوا: (إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ) وذلك فيه تأكيد لعدم الاعتداء، وبيان أن شهادتهما أحق من شهادة الأولين، إذ لو لم يكونوا صادقين لكانوا ظالمين، وقد أكدوا ظلمهم بأربعة مؤكدات: أولها - الجملة الاسمية، وثانيها - بأن المؤكدة، وثالثها - بإثبات أن الحكم بالظلم له مقدماته فيكون منطقيا، ورابعها - دخولهم في زمرة الظالمين، وخروجهم من طائفة الأبرار الأخيار.
وإن ذلك كله تقريب للحق، وبعد عن الباطل، ولا يمكن أن يكون الحق مؤكدا من كل الوجوه، بل لَا بد من التقريب دون التحديد، ولذلك قال سبحانه:
(ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ...(108)