وذكر أبو طالب المكي في"القوت": أن إسماعيل بن إسحاق القاضي كان من سادات القضاة وعقلائهم، وكان مؤاخياً لأبي الحسن ابن أبي الورد، وكان هذا من علماء الباطن، فلما ولي إسماعيل بن إسحاق هجره ابن أبي الورد، ثم اضطر إلى أن دخل عليه، فضرب ابن أبي الورد على كتف إسماعيل القاضي، وقال: يا إسماعيل! علمٌ أجلسك هذا المجلس لقد كان الجهل خيراً منه، فوضع إسماعيل رداءه على وجهه، وجعل يبكي حتى بَلَّه.
الوجه الثاني من وجهي تشبه العالم بالجاهل في نفس الجهل:
أن يترك الإنسان تعاهد معلوماته بالتدريس والمطالعة، ومراجعة لكتب العلم، ومذاكرة أهل العلم حتى ينساها، ويؤول أمره إلى نسيانها والجهل بها.
قال الله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) } [سورة الأعلى: 6] .
وروى أبو داود، والترمذي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجورُ أُمَّتِي حَتَّى القَذاةُ يُخْرِجُها الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي، فَلَمْ أَرَ ذَنْباً أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ، أَوْ آيَةٍ أُوْتِيَها الرُّجُلُ ثُمَّ نسِيَها".
وبهذا الحديث استدل العلماء على تحريم نسيان القرآن بعد تعلمه، وعَدُّوه من الكبائر، والتكليف بالنسيان مرفوع عن هذه الأمة، فحمل ذلك على تهاون الحافظ لما يعرفه من القرآن في محفوظه، وعدم تعاهده بالدراسة، وتعرضه بذلك للنسيان.
وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: آفة العلم النسيان.
وأخرجه الدارمي، ولفظه: إن لكل شيءٍ آفةً، وآفة العلم النسيان.
ورويا عن الأعمش - معضلاً - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"آفَةُ العِلْمِ النِّسْيانُ وَتَرْكُ الْمُذاكَرَةِ".
وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله تعالى: تذاكروا الحديث؛ فإن إحياء الحديث مذاكرته.
وقال علقمة رحمه الله تعالى: تذاكروا الحديث؛ فإن ذكره حياته.
وقال أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: تذاكروا؛ فإن الحديث يهيج الحديث.
وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: تذاكروا هذا الحديث لا يتفلت منكم.
وقال: إذا سمعتم منا حديثاً فتذاكروه بينكم.