وكان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه من أعرف الناس بعلم الأنساب.
وكان شيخ الإسلام والدي رحمه الله تعالى - ولم يمض له وقت منذ سن التمييز إلا في علم أو خير - كان في آخر أمره ينظر في علوم الشرع تفسيراً، وحديثاً، وفقهاً، وأصولاً في سائر أيام الجمعة إلا يوم الجمعة، فيقسمه على وظيفتين:
إحداهما: قراءة القرآن والعبادة.
والثانية: النظر في سائر العلوم عربية، وبلاغة، وتاريخاً، وغير ذلك.
وبالجملة: فكل فن من العلم صار للعالم فيه ملكة كان في أهله غنياً، فإذا تفنن في العلوم، فأي مكان جلس فيه كان فيه ملياً، بخلاف ما لو جلس في أهل فن خالياً عنه فإنه يكون كالمفلس في الواجدين، والمعدم في المتمولين.
ومن ثم قال ذو النون المصري رحمه الله تعالى: ضالة الجاهل غير موجودة، ومال العالم معه حيثما توجه. رواه ابن جهضم.
* تَنْبِيهٌ:
روى أبو داود عن بريدة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إِنَّ مِنَ البَيانِ سِحْراً وَإِنَّ مِنَ العِلْمِ جَهْلاً، وَإِنَّ مِنَ الشِّعْر حِكَماً".
وهو محمول على ما تقدم في تسميته - صلى الله عليه وسلم - علم النسب والشعر جهلاً.
وأشار بقوله في الحديث:"وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكماً"إلى أن الشعر الذي هو علم لا ينفع، وجهل لا يضر ليس كل الشعر، ولكن منه ما هو حكمة، وإن كان الغالب في المقصود منه اللهو واللغو.
أو يحمل قوله:"وَإِنَّ مِنَ العِلْمِ جَهْلاً"على العلوم التي تؤدي بصاحبها إلى دعوى علم الغيب، أو إلى فساد الاعتقاد كالسحر، والكهانة، والتنجيم، وعلم النجوم، والفلسفة، والهيئة، أو على تعلم الحيل الفقهية في التوصل إلى أكل الربا وغيره مما لا يحل.
وقد حكي لنا: أن فقيهاً عشق امرأة، وأراد أن يتزوجها وهي ذات زوج، وقد غاب زوجها وانقطع خبره، فعلَّمها أن تتكلم بكلمة كفر، أو تفعل فعلاً مكفِّراً، وتدوم عليه إلى انقضاء العدة، ففعلت، وتزوجها آخراً؛ وهل فوق هذا الجهل جهل؟
أو يحمل على علم الخلاف، والقضاء ونحوه من العلوم التي بها يتوصل إلى الولايات والمناصب لنيل ذلك، وخطر هذه الفنون عظيم بحيث أن لو كشف الغطاء لود ذووها أن لو جهلوها.